تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الذكاء الاصطناعي في دراما رمضان مصر: إبداع أم استسهال؟

الذكاء الاصطناعي في دراما رمضان مصر: إبداع أم استسهال؟

بينما تظهر أياد بيضاء للذكاء الاصطناعي على كثير من العناصر في السباق الدرامي المصري، ولكن المبالغة في اللجوء لتلك الأدوات تبدو ساذجة ومصطنعة تماماً بل ومفسدة لفكرة الصدقية، حينما يستخدم في تنفيذ التيترات أو البوسترات الدعائية، وحتى طريقة تنفيذ الإعلانات التجارية، إذ تظهر أكثر افتعالاً

يحضر الذكاء الاصطناعي بوصفه نجماً رئيساً في فريق التقنيين ضمن دراما رمضان مصر هذا الموسم، إذ تظهر بصماته بصورة خاصة في مشاهد الفلاش باك أو الخدع البصرية، إضافة إلى تصميم التيترات، وكذلك البوسترات، كذلك ينتشر بصورة كبيرة في الإعلانات التجارية التي تعرض في الفواصل بين مشاهد المسلسلات، وإن كان لتقنيات الذكاء الاصطناعي أياد بيضاء بالفعل في كثير من اللقطات في تلك الأعمال، فيبدو وكأنه أضاف أبعاداً أخرى ومنح الكاميرات أذرعاً لم تكن تطالها بتلك السهولة، ووضع بين أيدي المبدعين حلولاً سحرية سريعة.

لكن الذكاء الاصطناعي حول بعض المشاهد إلى كادرات مصطنعة تماماً، وأبطال يتحركون بصعوبة كأنهم تماثيل خشبية، فمن المفترض أن اللجوء إلى تلك التكنولوجيا هدفه إما الإبهار أو توفير الوقت والنفقات أو الحصول على نتائج أكثر احترافية وصدقية وجودة، إنما الأمر تحول إلى العكس في بعض الأوقات، إذ خرجت بعض المشاهد مزيفة تماماً، وكأنها صنعت ببدائية، وحولت اللقطات إلى محتوى كارتوني ساخر، حتى إن المشاهد العادي بات يدرك الفرق ويبدي ضيقه من هذا الاستسهال المنتشر في عدد غير قليل من الأعمال المعروضة.

لا يمكن لأي مجال الانفصال بطبيعة الحال عن مغريات الذكاء الاصطناعي، وفي المجال الفني على وجه التحديد نجده يمنح قدرات إضافية وخرافية لمعدات الصوت والتصوير، ويحول المشاهد إلى لوحات بصرية غنية، ويمنح خيارات أكثر تنوعاً ولا حد لها، لكن هل التقنية وحدها تكفي؟ أم أنها في حاجة إلى عين حكيمة تعرف ماذا تختار وكيف تعيد تركيب اللقطات، والأهم متى تتوقف، كي لا يخرج الأمر مبالغاً فيه مفتعلاً؟

باختصار، يبدو رمضان مصر 2026، وكأنه حقل تجارب لطرق استخدام الذكاء الاصطناعي، إذ تتباين النتائج بصورة كبيرة على الشاشات، فالبعض لجأ إليه لمجرد الاستعراض وسعياً وراء التريند أو التقليد، وتركوا له العملية الإبداعية كاملة، وآخرون عرفوا كيف يستفيدون للحصول على نتائج أفضل بمجهود أقل وبموارد لوجيستية أقل، ليعززوا الصدقية وتوقفوا عند حدود المقبول قبل أن ينقلب الحال إلى الضد.

حلول سحرية
وفقاً لكثير من المصادر في طواقم الإنتاج الفني، فالذكاء الاصطناعي جرى استخدامه في جميع المسلسلات المعروضة هذا الموسم تقريباً، وكأنه موضة هذا العام، مثله مثل كاميرات “الدرون” أو الكاميرات المسيرة/ الجوية التي تنتشر أيضاً في المسلسلات بصورة ملحوظة ومبالغ فيها، وتفاوتت نسب اللجوء لـ”AI” وفقاً لطبيعة العمل، وفي حين أن التيترات والبوسترات والبروموهات الدعائية من أبرز العناصر التي ظهرت فيها تلك التقنيات سواء عبر استخدام الخدع البصرية أو المؤثرات أو إعادة هيكلة الصورة والمشهد أو جمع الأبطال مع غيرهم في مراحل مختلفة، وإضافة تحسينات لتعبر عن أجواء العمل ككل، فإن أيضاً المشاهد نفسها كان الذكاء الاصطناعي حاضراً فيها وبقوة.

وتعتبر تقنية تصغير العمر رقمياً واحدة من أكثر مهام الذكاء الاصطناعي استخداماً، وقد ظهرت بشكل يبدو جيداً للغاية على سبيل المثال في مسلسل “اتنين غيرنا” بطولة دينا الشربيني وآسر ياسين، حين ظهرت البطلة في أحد مشاهد فلاش باك بعمر أصغر من خلال برامج الذكاء الاصطناعي بدلاً من الاستعانة بممثلة بديلة لأداء اللقطة.

المدير الإبداعي ياسر النجار، أحد أبرز المهتمين بتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في الفنون المرئية وبينها الدراما السينمائية والتلفزيونية بطبيعة الحال كان وفريقه وراء كثير من المؤثرات التي جرت الإشادة بها هذا الموسم، في مسلسلات مثل “الست موناليزا ـ وننسى اللي كان ـ علي كلاي ـ أب ولكن”، إضافة إلى “اتنين غيرنا” الذي يعتبر من أنجح أعمال رمضان 2026 على أكثر من مستوى، يرى أنه لا بد من أن لا يكتفى بالتنفيذ فحسب، إنما السعي إلى تطوير الأبحاث في هذا المجال، ووضع إسهامات خاصة وليس فقط استقدام البرامج والعمل عليها كما هي من دون إضافة.

وبنظرة عامة، يعتقد النجار، المسؤول الأول في مؤسسة ميروكري، أن تقليل الأعمار رقمياً من أهم استخدامات الذكاء الاصطناعي في المسلسلات والأفلام والحملات الإعلانية، لافتاً إلى أنه كان من أوائل من لجأوا لتلك التقنية على الشاشة قبل نحو ثلاثة أعوام مع المخرج محمد سامي في مسلسل “جعفر العمدة” من خلال شخصية الفنانة لبنى ونس، ويضيف “الذكاء الاصطناعي يعتبر نقطة تحول كبيرة في العمل الدرامي، فهو يذلل كثيراً من العقبات والتحديات، وعلى سبيل المثال كان هناك خطأ في أحد المسلسلات هذا العام جرى اكتشافه بعد التصوير يتعلق بالراكور سواء في الديكور أو في ملابس الأبطال، إذ بدت متباينة في المشهد نفسه بسبب تصويره على أكثر من مرحلة، وعلى الفور جرى اللجوء للذكاء الاصطناعي لتصحيح الخطأ من دون الاضطرار إلى إعادة التصوير”.

لكن النجار ينبه إلى أن “كل من يلجأ للتكنولوجيا الحديثة بهدف الإبهار فقط ينجرف ويسقط في الفخ، ويدخل إلى منطقة خطرة، فالتكنولوجيا في حاجة إلى بحث ودراسة وتحكم، فعين المشاهد العادي أصبحت مدربة على منتجات الذكاء الاصطناعي، وبات واعياً للغاية، ولهذا تبحث عن الواقعية، ومن هنا يصبح الاستخدام المفرط مضراً ومثيراً للسخرية، ويعطي نتيجة عكسية تماماً، فاستخدامه يجب أن يكون لتسهيل العملية الفنية، كتحسين الجودة، وإضافة بعد أكثر واقعية، أو حل مشكلات سواء مخفية أو ظاهرة، وهكذا”.

تجارب متباينة
قبل الموسم الرمضاني بدت تأثيرات الذكاء الاصطناعي واضحة جداً في تيتر مسلسل “قسمة العدل” بطولة إيمان العاصي، ثم أصبح الأمر مشتركاً بين معظم مسلسلات رمضان مثل “على قد الحب ـ حد أقصى ـ كان يا ما كان ـ فن الحرب ـ هي كيميا ـ إفراج ـ صحاب الأرض – المداح”، وغيرها إذ ظهرت فيها تقنيات الذكاء الاصطناعي سواء في المشاهد أو التيترات أو عناصر الحملة الدعائية المختلفة، وتباينت نسبة الاستعانة بالتقنيات بصورة واضحة، فتبدو الأمور بارزة جداً بخاصة في تيتر مسلسل “فن الحرب”، لكنها جاءت في حدود المعقول بما يخدم فكرة المسلسل، بينما انقسمت الآراء على سبيل المثال في مدى ملاءمة فكرة التيتر المقدم في “الست موناليزا”، وأيضاً في ما يتعلق بمدى تجاوز صناع “أولاد الراعي” بطولة خالد الصاوي وأحمد عيد وماجد المصري، الحد المسموح من عدمه في ناحية استخدام التكنولوجيا في تصغير أعمار الأبطال وفي تنفيذ التيتر بصورة كاملة، إذ أبدى كثيرون إعجابهم بالشكل المميز، واعتبروه جيداً فنياً، وآخرون وجدوا الأمر مزعجاً بصرياً، لا سيما في ما يتعلق بحركة الأبطال وهم في عمر الشباب والطفولة، على رغم الرتوش الجيدة.

من جهته يحاول أن يشرح المهندس أحمد فرج، أحد أبرز مصممي الغرافيك الذي يعمل في المجال منذ نحو 15 عاماً ولديه رصيد كبير في تنفيذ الحملات الإعلانية، وكذلك تصميم أشهر أغلفة الكتب، سبب تحول الذكاء الاصطناعي إلى هوس ليصبح استخدامه شائعاً، سواء كان ذلك مبرراً وضرورياً أم لا، يقول “أدوات الذكاء الاصطناعي أصبحت من أكثر المحتويات رواجاً على الإنترنت، ويحاضر فيها المتخصصون والهواة على السواء، الذين يسوقون الأمر بطريقة توحي بأنه لا يحتاج إلى مهارة إنما فقط كتابة مجموعة من الأوامر وخلال دقائق سيحصل المستخدم على نتيجة مثالية”، مشيراً إلى أن هذا غير صحيح، وعلى رغم ذلك سيطرت تلك الأفكار المغلوطة على الساحة، فحتى بعض الجهات الإنتاجية باتت تطلب مهام بناءً على هذا التصور، ومن هنا يحدث الخلل.

ويتابع فرج، “الفن ببساطة ينبغي أن يبني على رؤية ورسالة معينة، فمنذ بدء التقنيات قبل أعوام طويلة وقبل تلك الثورة، لم تكن الأداة يوماً هي الأساس، إنما الفكرة والرؤية والخلفية الإبداعية، لكن مع انتشار نمط الاستسهال ومنح تلك التقنيات مساحة كبيرة من العملية الإبداعية، إضافة إلى ضيق الوقت المطلوب لإنهاء المهمة، والضغط الكبير، أصبحنا نجد نتائج صادمة أو متواضعة”.

موسم التجريب
بدت شارات البداية للمسلسلات بصورة خاصة كأعمال فنية منفصلة وشديدة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، وعبرت بدقة عن مضمون الدراما، إذ جاء تيتر مسلسل “على قد الحب” مصمماً بطريقة العوالم الغرانيتية المصمتة، وكأن المشاعر مجمدة ومحنطة، وأيضاً عبر تصميم تيتر مسلسل “فن الحرب” بصورة خاصة عن كيف أن الأوراق تشكل حياة الأبطال، إضافة إلى ابتكار طريقة لرسم عالم البطل المسجون على جدران زنزانته بأسلوب يرمز لتداخل الشخصيات في حياته، كل وفقاً لطبيعة شخصيته، هذه فقط بعض من الطرق التي عبرت بها تيترات الذكاء الاصطناعي في رمضان 2026 عن سير الدراما، وهي إن لم تعجب الجميع، لكنها محاولات على الطريق، إذ يبدو وكأنه الموسم التجريبي لكل تلك الأدوات.

يرى المتخصص في تنفيذ مراحل ما بعد الإنتاج، ياسر النجار، أنه في ما يتعلق بالتيترات بصورة خاصة فاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي بها أمر مسلم به، وهي عادة تعتبر مشروعاً فنياً مستقلاً، وقد تخرج بصورة رائعة مبهرة تنافس العمل نفسه، فالتفاوت في مستويات التيترات أمر شائع منذ أعوام طويلة، لكنه يحذر من الإفراط في استخدام تلك التقنيات بصورة عامة، لافتاً إلى أنه لفرط سهولة الدخول لهذا المجال، ظاهرياً، حتى بالنسبة إلى الهواة ومن هم خارج الصناعة باتت هناك تخمة حقيقية، تجعل المحترفين يبحثون عن وسائل أكثر صدقية كي لا يفقد منتجهم النهائي تميزه وتفرده، لافتاً إلى أن الفنان الماهر لديه حدود للاستخدام ولديه ذائقة وقدرة على السيطرة كي لا تغريه التكنولوجيا بحلول سهلة، فيجد نفسه وقد انجرف وفقد بصمته.

خطورة الإفراط
يتابع النجار، “يجب أن يكون هناك تعقل، وأن يتوقف الاعتماد الكلي في مرحلة من المراحل، فنحن نجرب أموراً بتلك التقنيات، وما هو ملائم نحتفظ به وقد لا نجد نتيجة ملائمة إطلاقاً فنرفضها ببساطة، هناك قواعد وأساسات للفن لا تتغير، والحقيقة أن النتائج المتواضعة أو الرديئة لا يكون مسؤولاً عنها المنفذ وحسب، إنما بقية العناصر التي تراجع عمله مثل جهات الإنتاج والإخراج، وأنا أقول إنه قديماً حينما كان يقال إننا نريد أن نفعل مشهداً مبهراً تقنياً مثل هوليوود كنا نقول إننا سنحاول لكن الأمر صعب نظراً إلى الفارق الضخم في الإمكانات والموازنات، لكن الحقيقة أن الـ”AI” جعل تلك الأحلام حقيقة وقريبة جداً، لأنه وفر إمكانات هائلة، لكن كما قلت يجب تقنين الاستخدام، وأن يأتي من قبل فنانين دارسين ولديهم قواعد ويعلمون أصول المهنة”.

الذكاء الاصطناعي لم يعد خياراً بكل تأكيد، بخاصة في مجال يعتمد على الإبهار البصري مثل الإنتاجات الفنية، وبخلاف الدراما تحضر الإعلانات التجارية بصفة خاصة في هذا المجال بقوة، إذ يعتبر رمضان موسماً إعلانياً موازياً للدراما، وفي حين أسهمت تلك التطبيقات في تنفيذ محتويات إعلانية شديدة الجودة، فإن بعضها أيضاً خسر كثيراً من صدقيته، بسبب المبالغة في اللجوء لهذه التكنولوجيا.

لكن فنان الغرافيك أحمد فرج، يرى أن الأمر لا يتحكم فيه فقط المستوى الفني للمنفذ، إنما أيضاً الموازنة المرصودة للمحتوى، وطبيعة المستهلك المستهدف، والصورة الذهنية للمنتج، فكل شركة لها متطلباتها، موضحاً “المؤكد أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي بخاصة لدى شخص لا يمتلك أدوات الإبداع والدراسة، إذ ستتضرر خبراته تماماً بالاعتماد كلياً على تلك التقنيات، لكن إذا كان لديه الأساسات فسيجيد استخدامها، ويخرج بنتائج أعلى جودة في وقت أقصر، فالذكاء الاصطناعي يمكن المبدع من وضع خطط سهل تنفيذها، وأن يبلور فكرته بطريقة أكثر إلهاماً، بشرط أن يكون ملماً بممارسة الفنون وأصول صناعة المحتويات البصرية”.

نقلا عن “اندبندنت عربية”