تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » يا هزلي.. من لعبة أطفال بصنعاء القديمة الى سؤال عن الهوية والتوثيق

يا هزلي.. من لعبة أطفال بصنعاء القديمة الى سؤال عن الهوية والتوثيق

رفيق العكوري

.. يا هزلي يا هزلي، قد نزلت البير أصلي

تحت رمانة كبيرة، والعناقيد الخضيرة

صوت من ذا؟ صوت من ذا؟

صوت الأعجم، صوت الأبكم

قد تكحّل قد تغنّج، قد نزل صنعاء المدينة

يخطب البنت الصغيرة، ما الكبيرة هي لعينة

سرقت نصف الجحينة، والحقيها يا أمينة

يا بنات صنعاء المدينة، شغلكن شغل المكينة، كلكن تفاح وليمة

بهذه الكلمات كان أطفال صنعاء القديمة ينشدون وهم يمارسون ألعابهم اليومية في الأزقة والحارات. ومع مرور الزمن تحولت هذه الكلمات البسيطة، المصحوبة بلحنها الخفيف، من أنشودة طفولية مرتبطة باللعب إلى أغنية تقليدية رددها عامة الناس، ودخلت في الذاكرة الغنائية اليمنية بوصفها جزءًا من الموروث الشعبي.

يذكر الدكتور سعدي يسر في كتابه عن تاريخ صنعاء أن أغنية “يا هزلي” من الأغاني التي كان يرددها يهود اليمن، وبخاصة في حي قاع اليهود. وفي المقابل يؤكد عباس الشامي في كتاب يهود اليمن قبل الصهيونية وبعدها أن الفرق الفنية اليهودية كانت تتغنى بالأغاني اليمنية التراثية التي ظل الأطفال اليمنيون يرددونها حتى اليوم، ومن أبرزها أغنية “يا هزلي”.

وقد وثقها مركز ميل الذهب، المختص بأغاني الأطفال والنساء، وأدرجها ضمن ألعاب الأطفال في مدينة صنعاء. كما وثقتها فاطمة القمادي ونجود شندق في كتاب من أصداء الذاكرة الشعبية – أغاني صنعانية تراثية، وأشارتا إلى أن هذه الأغنية كانت تُنشد في ألعاب الأطفال وفي مناسبات اجتماعية متعددة.

غير أن الملاحظة المهمة هنا تكمن في الخلط الذي وقع فيه بعض الباحثين اليمنيين بين مفهوم الأغنية التراثية ومفهوم الأغنية الشعبية. فهذا الخلط لا يقتصر على الجانب الاصطلاحي، بل ينعكس على فهم أصول الأغاني ومسارات انتقالها وتحولاتها الاجتماعية. كما يؤدي إلى ضعف في حماية حقوق الملكية الفكرية المتعلقة بالألحان والكلمات الشعبية اليمنية.

ومن خلال تتبع التحولات التي مرت بها “يا هزلي” يتضح أن اللحن بقي محافظًا على بنيته الأساسية، بينما طرأت تغييرات على بعض الكلمات تبعًا للسياقات المختلفة. ففي النسخة التي غناها سليمان ضحياني في ستينيات القرن العشرين بقي اللحن قائمًا، مع تعديل بعض العبارات الشعبية مثل: “صوت من ذا… صوت سليمان”، وإضافة بعض المفردات العبرية، الأمر الذي منح الأغنية طابعًا يهوديا. ثم أعاد الفنان زيون جولان تقديمها في ثمانينيات القرن العشرين بالإيقاع ذاته تقريبًا، ولكن بسرعة أكبر، ومع تبديل بعض الكلمات، مثل: “شوق قلبي حين أقوم أدعي لربي”.

وفي عام 2013، وخلال ندوة ألقاها الحاخام اليهودي يوسف، أشار إلى أن كلمات الأغنية تعود إلى الحاخام والشاعر سالم الشبزي (1619–1720م)، الذي ألّف أكثر من خمسمائة قصيدة حِمينية باللغتين العربية والعبرية.

ولعل من أبرز المحاولات اليمنية لإعادة الأغنية إلى سياقها المحلي ما قام به الفنان أحمد فتحي حين قدّم “يا هزلي” بكلمات جديدة للشاعر مطهر الإرياني، في خطوة يمكن النظر إليها بوصفها محاولة لاستعادة اللحن التراثي وإعادته إلى فضائه الثقافي اليمني.

إن قضية “يا هزلي” لا تتعلق بأغنية واحدة فحسب، بل تكشف إشكالية أعمق تتصل بغياب التوثيق الرسمي للتراث الغنائي اليمني. ففي ظل غياب مؤسسات متخصصة تتولى الجمع والتوثيق والتصنيف والحفظ القانوني، تصبح الأغاني الشعبية عرضة للسرقة والانتحال وإعادة النسبة

ومن المهم ان نشيد هنا ببعض المحاولات للفنانين اليمن في إعادة الأغاني الشعبية الى أصلها اليمني وان لقت هذه التجربة بعض الانتقادات لكونها تقدم الأغاني اليمنية بطريقة يهود اليمن (هذه النقطة تحتاج الى تعريف اكثر وضوحا) لكن المهم هو انتشار هذه الأغاني بأصوات وأداء فنانين يمنيين ولعل احد اقدم هذه التجارب هو ما قدمه الفنان علي عنبه عندما أعاد تقديم ( قلبي يحب الهوى ) المشهورة بصوت عفراء هزاع ، والتجربة الحديثة للفنان هاني الشيباني في إعادة تقديم اغنية عنب اليمن المشهورة بصوت زيون جولان . وانضج هذه التجارب هو ماقدمه مؤخرا المبدع اليمني الشاب محمد القحوم في حفلة نغم في دبي بطابع اوكسترا وبصوت الفنانة المبدعة هديل حسين لاغنية ياهزلي وقد لاقت الاغنية رواجا وانتشار كبير بين الجمهور اليمني.

Ya Hazzaley | Hadeel Hussein | Conducted by Mohamed Alghoom | Dubai Opera

تمثل “يا هزلي” نموذجًا واضحًا لقضية أوسع تتصل بعلاقة التراث بالهوية. فمنذ وقت مبكر أدركت الحركة الصهيونية أهمية الموسيقى في بناء هوية ثقافية جامعة. ولذلك لم يكن الاهتمام بالموسيقى العربية أمرًا عارضًا، بل جاء في إطار مشروع ثقافي أوسع. ولهذا نجد أنهم اهتموا بالموسيقى في وقت مبكر منذ عصر ايساك الإسرائيلي المعروف إسحاق بن سليمان (ت 932م) الذي عبر عن ذلك بقوله إن علم الموسيقى هو آخر وأفضل فرع من فروع المعرفة. وفي العصور الوسطى وضع اليهود علم الموسيقى أحد المناهج التي تُدرَّس في التعليم العالي، وكانت الموسيقى اليهودية التي تُدرَّس آنذاك في الأصل موسيقى عربية؛ فأولى الكتابات اليهودية حول الموسيقى كانت لليهودي سعديا كاؤون (ت 942م)، وقد اعتمد فيها اعتمادًا أساسيًا على مصادر عربية بحتة أهمها كتاب الكندي (رسالة في أجزاء خبريات الموسيقى). وهذا ما أكده الباحث اليهودي شتاين شنايدر، إذ رأى أن النظرية اليهودية والتعبير في الموسيقى ينتميان أساسًا إلى المدرسة العربية، شأنهما شأن العلوم المشابهة.

وفي العصر الحديث، ومع صعود المشروع الصهيوني، تحول البحث عن هوية ثقافية جامعة إلى أحد المرتكزات الأساسية. وكان علماء الأنثروبولوجيا اليهود يؤكدون على أنه لفهم الثقافة الموسيقية اليهودية يجب دراسة موسيقى المجتمعات التي عاش فيها اليهود لذلك وفي هذا السياق أصبحت الموسيقى العربية، ومنها الموسيقى اليمنية، مادة مهمة للتسجيل والتوثيق والدراسة. وتُعد التسجيلات التي قام بها أبراهام زفي إيدلسوهن في فلسطين بين عامي 1911 و1913 من أوائل المحاولات المنهجية في هذا المجال.

بعد تهجير يهود اليمن إلى فلسطين، انتقل معهم عدد من الموسيقيين والفنانين. ومن أشهرهم الفنانة الشعبية شوشانة ذماري (1923–2006)، التي تعد من أبرز فنانات يهود اليمن. تعلمت الغناء الشعبي من والدتها التي كانت تحيي أفراح يهود اليمن، ثم شاركت في عدد من الأفلام الغنائية

كما أن عالم الموسيقى اليهودي روبرت لخمان (1892–1939) قام بإنشاء قسمًا خاصًا بالموسيقى الشرقية في الجامعة العبرية عام 1935، ووثّق فيه ما يقارب من 1500 تسجيل لأغانٍ وموسيقى شرقية. وكان يقدم في الإذاعة العبرية برنامجًا بعنوان “الموسيقى الشرقية”، بمشاركة موسيقيين ومغنين من اليهود اليمنيين والأكراد والبغداديين، وضم البرنامج أغاني يمنية عبارة عن تراتيل شعائرية، وأغاني طقوس الزفاف الرجالية بنصوص عبرية، وأغاني الحنا والزفاف النسائية بلهجة عربية يهودية مثل اغنية ساعة الرحمن تؤديها يهوديتين يمنيتين بمرافقة الة الدف، إضافة إلى الزوامل الحربية.

وبعد تهجير يهود اليمن إلى فلسطين، انتقل معهم عدد من الموسيقيين والفنانين. ومن أشهرهم الفنانة الشعبية شوشانة ذماري (1923–2006)، التي تعد من أبرز فنانات يهود اليمن. تعلمت الغناء الشعبي من والدتها التي كانت تحيي أفراح يهود اليمن، ثم شاركت في عدد من الأفلام الغنائية، من أهمها فيلم بدون وطن (1954) للمخرج العراقي اليهودي نوري حبيب، وقدمت فيه مجموعة من الأغاني الشعبية اليمنية.

وفي سياق محاولات توثيق هذا التراث وإعادة تقديمه، أنشأ يهود اليمن في فلسطين المحتلة عددًا من المراكز البحثية والتوثيقية المعنية بالموسيقى اليمنية الشعبية والتقليدية. وفي تسعينيات القرن العشرين صدرت أسطوانة بالتعاون مع منظمة اليونسكو بعنوان أغاني يهود اليمن. ورغم اعتراض اليمن على هذه التسمية، فإن عنوان الأسطوانة بقي كما هو.

كما أسس الفنان اليمني اليهودي هارون عمران (أهرون عمرام) مركزًا لتوثيق التراث غير المادي اليمني، ووثق عددًا من الأغاني والألحان اليمنية، ونسب بعض الأغاني الشعبية إلى نفسه وسجلها ضمن حقوق الملكية باسمه.

يا طير على منظر الخل || هارون عمرام

غير أن هذه المسألة أثارت خلافًا قانونيًا؛ إذ رفع الباحث إتمار، وهو من يهود اليمن في فلسطين المحتلة، دعوى قضائية على عمرام أمام محاكم حقوق الملكية، وانتهت القضية إلى اعتبار تلك الأعمال جزءًا من “التراث اليمني اليهودي” وهذه بحد ذاتها مشكلة كبيرة لانها كذلك تنسب تلك الأغاني الى يهود اليمن وليس لليمن. وقدرت لك الأغاني بعشرين أغنى هي:.

الحب نار (حنّيت وحنّيت)

أسألك يا عوهجي (بلحن يسقيش يحميش يا جمعة بلاد آنس)

لحن الصبر يا قلبي

بالله يا طير

ذيّا الطير الذي نشر

يا من يخاف الله

أسهرتني من منامي

هيّا معي يا حبيب إلى شاطئ الوادي

هيّا معي صنعاء

حبيب ما أشكي (بعد قتل الإمام)

حزرتني حزرة

حلّة جديدة والشِّلّة أجنبية

حنّ قلبي رعد، حلفت ما أشكي على أحد

يا أخضر اللون

يا بنت بالكوز

يا راقدين

يوم الأحد في طريقي

يا حمام الدور

كتبت لك مكتوب (طيري ألف طيرك، من الشوق أعياني)

شدّ المولع، ريتني رفيقه

إن قضية “يا هزلي” لا تتعلق بأغنية واحدة فحسب، بل تكشف إشكالية أعمق تتصل بغياب التوثيق الرسمي للتراث الغنائي اليمني. ففي ظل غياب مؤسسات متخصصة تتولى الجمع والتوثيق والتصنيف والحفظ القانوني، تصبح الأغاني الشعبية عرضة للسرقة والانتحال وإعادة النسبة.

وقد انشغل الإعلام والناشطون خلال السنوات الماضية بالأغاني اليمنية التي ينسبها فنانون الخليج إلى أنفسهم، لكن التحدي الأكبر يبقى في محاولات إعادة تعريف هذا التراث وإلحاقه بهويات ثقافية أخرى. ومن هنا فإن حماية الأغنية اليمنية لا تبدأ من الاعتراض بعد وقوع الانتحال، بل من التوثيق العلمي المبكر، والتمييز الدقيق بين الشعبي والتراثي، وصيانة الذاكرة الثقافية بوصفها جزءًا من الهوية الوطنية.


نقلا عن منصة “امتداد”