تشهد القاهرة معرضاً فريداً من نوعه تحت عنوان “مجهولون”، لا يضمّ هذا الحدث لوحات لمشاهير الفنانين، لكنه يعرض لوحات أغلبها لا يعرف من الأساس مَنْ رسمها، قطاع كبير منها بلا توقيع رغم جودتها الفنية العالية ليتأمل زوّار المعرض تجربة فنية تجسّدها لوحة لفنان مجهول، الحضور هنا للعمل الفني لا للفنان وللقيمة والتجربة الفنية لا لصاحبها المجهول
بين عديدٍ من معارض الفنون التشكيلية التي تضمها قاعات العرض المختلفة التي تتنافس في ما بينها في استقطاب أكبر الفنانين وأشهرهم لتزين جدرانها بلوحات قيّمة ممهورة بتوقيع الفنان الشهير، ونشر ملامح من استقبال الفنان لجمهوره في افتتاح المعرض على وسائل التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام المختلفة، تشهد القاهرة معرضاً فريداً من نوعه تحت عنوان “مجهولون”. لا يضم هذا الحدث لوحات لمشاهير الفنانين، لكنه يعرض لوحات أغلبها لا يعرف من الأساس من رسمها، فقطاع كبير منها بلا توقيع على رغم جودتها الفنية العالية، ليتأمل زوار المعرض تجربة فنية تجسدها لوحة لفنان مجهول، فالحضور هنا للعمل الفني وليس للفنان وللقيمة والتجربة الفنية وليس لصاحبها المجهول.
لوحات المعرض المجهولة جُمعت من تجار ومقتنيين، ويعود أغلبها إلى النصف الأول من القرن العشرين حتى حقبة الخمسينيات، وتتنوّع بين اتجاهات فنية متنوعة، تمثل المجموعة ما يشبه الألغاز للفنانين المتخصصين الذين يقفون أمام العمل في محاولة لفك شيفرته، ومحاولة التعرف إلى صاحب اللوحة من خلال تحليل الأسلوب الفني، ومدى تشابهه مع الطابع الفني لفنان معين، ومحاولة الاستدلال على أي ملمح يمكن أن يؤدي إلى التعرف إلى صاحب اللوحة.
أعمال نجت من النسيان
يستضيف المعرض غاليري آتون، الذي افتتح فرعه بالقاهرة أخيراً وفضل أن لا تكون انطلاقته من العاصمة بمعرض لفنان شهير إنما بصحبة هؤلاء المجهولين اسماً والحاضرين بقوة على المستوى الفني. يضم المعرض 70 لوحة تحت شعار “أعمال نجت من النسيان”، وإلى جانب القيمة الفنية العالية للمعروضات فإنه يثير تساؤلات حول كيفية تقييم الأعمال التشكيلية، سواء من ناحية القيمة الفنية أو المادية، فهل يمكن أن تكون لوحة لفنان مجهول أكثر قيمة من لوحات لفنانين مشهورين؟ وكيف ننظر إلى العمل الفني ونقيّمه؟
بعض هذه اللوحات لو حملت توقيعاً لفنان شهير كانت ستُباع بآلاف الدولارات، وسيحرص مقتنوها على وضعها في مكان بارز في منزله أو عمله، لبيان تقديره للفنون واقتنائه لأغلاها، لكن غياب التوقيع عن اللوحة يضعنا في اختبار حقيقي لتذوقنا للفن: فهل القيمة الحقيقية في اسم الفنان وتوقيعه أم في جودة العمل الفني؟
عن فكرة المعرض، وكيف بدأ تنفيذها، وكيف جرى جمع هذا الكم من اللوحات المجهولة تمهيداً لعرضها، يقول مؤسس غاليري أتون الفنان عبدالله داوستاشي، “بشكل شخصيّ لدي اهتمام بأعمال الرواد من الفنانين في مصر، وشغف بتتبع أعمالهم، وأجد أعمال عند المقتنين والتجار لفنانين كبار غير موقعة، ولهذا تُباع بأسعار قليلة جداً مقارنة بأعمالهم الموقعة. مع الوقت جمعت عدداً كبيراً من اللوحات، كان لديّ خطة أن أعرضها في يوم ما في معرض يجمعها ويقدمها للجمهور تحت فكرة أنها لوحات مجهولة على رغم قيمتها الفنية العالية، المجموعة المعروضة متنوّعة، فتضم بورتريهات ومناظر طبيعية وفن سيريالي وغيره، وهي بالفعل تثير إعجاب زوار المعرض لجودتها على المستوى الفني، فأعمال الفنانين خلال النصف الأول من القرن العشرين بشكل عام لها طابع مميز، ولها قيمة فنية وتاريخية كبيرة، وهي جزء من تراث الفن التشكيلي المصري”.
يضيف داوستاشي، “اللوحات المعروضة تتنوّع وتختلف، بعض منها لا نعرف على الإطلاق لمن تكون ومن رسمها، ولا يوجد أي دليل أو إشارة على ذلك، ولوحات أخرى يبدو أنها تتوافق مع المدرسة الفنية والطابع السائد لفنان معين، ويعتقد أنها تعود إليه، لكنها لا تحمل توقيعاً، وبعضها موقع لكن لا نعرف من هو صاحب التوقيع، وما حكايته، بعض اللوحات لفنانين أجانب غير معروفين في مصر، وربما كان لهم بعض الشهرة في بلادهم في هذا الزمن، وقد يكونون عاشوا في مصر لفترة ورسموا هذه اللوحات أو قد يكون اقتناها أشخاص مصريون من الخارج، وقدموا بها إلى مصر، بعض اللوحات توقيعها مطموس، وبعضها يحمل تاريخاً بلا توقيع، المجموعة متنوعة، لكن يجمعها أن البطل هو اللوحة وليس اسم صاحبها”.
مبدعون مجهولون
يضم المعرض مجموعة متنوّعة تجمع مدارس فنية مختلفة، وترصد أساليب فنية اعتمدها الفنانون في النصف الأول من القرن العشرين، ومن بينها لوحة تحمل توقيع لفنانة مجهولة تدعى سيرينا، وتعود إلى عام 1957، لا أحد يعرف تفاصيل عن الفنانة، ولا جنسيتها، ولا هل كانت هاوية أم محترفة، رسمت سيرينا المجهولة بتقنية الباستيل لوحة لمنزل تحيطه مساحات خضراء وسماء صافية وأجواء خلابة، لوحة أخرى غير موقعة لفنان مجهول صوّر فيها مشهداً من قرية، إذ تظهر بنايات بسيطة ذات قباب محاطة بالخضرة التي تبدو وكأنها تحتضن هذه المباني برفق، لم يمنح الفنان أهمية لتفاصيل المباني لتبدو اللوحة، وكأنها مشهد من حلم أو لمحة من الذاكرة لمكان يشعر بالحنين إليه.
من بين أبرز لوحات المعرض لوحة تمثل بورتريه لسيدة عند تأملها تعطي انطباعاً واضحاً أنها لواحد من رواد المدرسة المصرية الحديثة، اللوحة موقعة بتوقيع غير واضح الملامح وبفحص اللوحة من الخلف وجدت مجموعة من أوراق الجرائد، من الواضح أنها وضعت في ورشة تأطير في أثناء تركيب إطار اللوحة، هذه القصاصات من جرائد مثل الأهرام والأخبار، ومن تفحص محتواها ثبت أنها كانت في عهد جمال عبد الناصر، ومع التدقيق الشديد وجد أن اللوحة تحمل توقيعاً مشوشاً يحمل اسم ELYana Cey 1915، ولا يوجد فنان معروف يحمل هذا الاسم، لكنها رُسمت في مصر في عام 1915 في ذروة أحداث الحرب العالمية، ورسمها فنان محترف حتى لو كان هاوياً، فالتقنيات العالية واضحة والقيمة الفنية كبيرة، نجت اللوحة من الحرب وصمدت لأكثر من 100 عام، ولو كانت هذه اللوحة بتوقيع فنان كبير لبيعت بآلاف الدولارات، لكن هويتها المجهولة ربما تزيدها جمالاً بإثارتها للفضول.
لوحة أخرى صاحبها مجهول تصوّر وجوهاً لأربع نساء، وكأنها صرخة يحمل كل وجه منها تعبيراً شعورياً مختلفاً، هذا العمل به تأثيرات من أعمال أوروبية، من بينها أعمال لبيكاسو، لكن يغلب عليه طابع مصري، وربما تكون هذه اللوحة تجربة فنية لفنان كان يحاول الاستلهام من أعمال عالمية حملت ذات الفكرة.
لماذا لا يوقّع الفنان لوحته؟
يثور هنا تساؤل عن السبب الذي منع الفنان من أن يوقع على اللوحة، ولماذا فضّل أن لا تحمل اسمه بخاصة مع إدراكه الكامل أن توقيعه عليها بمثابة سند الملكية المادية والفكرية للوحة، وهو الضامن بأن لا ينسبها شخص آخر لنفسه، فتوقيع الفنان على اللوحة بمثابة شهادة ميلاد تنسبها إلى الفنان.
توجد أمثلة عديدة للوحات ذات قيمة فنية عالية لأشهر الفنانين في العالم لم يوقعوا عليها، بعض منها اكتشف من قام برسمها بعد سنوات طويلة، والأمثلة عديدة، ومن أشهرها لوحة مخلص العالم لليوناردو دافينشي التي كان يعتقد لزمن طويل أنه رسمها أحد تلاميذه، وقد بيعت هذه اللوحة في عام 1958 بمبلغ لا يتعدى 45 جنيهاً استرلينياً، ولاحقاً بدراستها وفحصها من قبل المتخصصين أعلن متحف لندن الوطني عام 2011 أنها لدافينشي، وبِيعت بمبلغ 450 مليون دولار، وعدت من أغلى اللوحات في العالم، هنا لم تتغير اللوحة ولا مستواها الفني لكن تغير فقط اسم الفنان.
الفنان عبدالله داوستاشي هو ابن لعائلة فنية، فوالده الفنان الراحل عصمت داوستاشي من أهم التشكيليين والمقتنيين للأعمال الفنية، وأعماله التي تحتفظ بها الأسرة جزء منها بالفعل غير موقع، وبالمثل فإن كثيراً من الفنانين بالقطع لديهم لوحات لم يمهروها بتوقيعهم لظروف مختلفة.
عن رؤيته في الأسباب التي قد تدفع فناناً لعدم توقيع لوحته يوضح داوستاشي “الأسباب متعددة، من بينها أن الفنان أحياناً ينسى التوقيع على اللوحة أو يؤجل ذلك لوقت لاحق وينشغل وينسى، أحياناً لا يكون الفنان راضياً عن اللوحة بشكل كامل بعد انتهائها ويتركها فترة على أن يعود لإضافة بعد التعديلات واستكمالها في وقت لاحق، وينشغل مع الوقت، وتبقى اللوحة من دون توقيع، أحياناً الفنان لا تعجبه اللوحة بعد الانتهاء منها فلا يوقعها لأنه غير راضٍ عنها، الأسباب كثيرة ومتعددة، ولديّ مجموعة من اللوحات لوالدي غير موقعة على رغم احتفاظه بها بين أعماله، فعدم توقيع الفنان على اللوحة هو أمر يحدث أحياناً، وله أسباب مختلفة”.
يتابع، “هذا المعرض هو الأول تحت عنوان مجهولون، لكنني أتمنى أن يكون مشروعاً سنوياً أقوم بتنفيذه تحت هذا العنوان لعرض مجموعات مختلفة من اللوحات المجهولة ذات القيمة الفنية العالية، لكنها لم تحظ بالمكانة التي تستحقها لعدم ارتباطها باسم فنان معين، فمثل هذه اللوحات كثيرة، وقطاع كبير منها يستحق أن يكون جزءاً من حركة وسوق الفن، وأتمنى أن يغير هذا المعرض من نظرة الناس لتقييم العمل الفني ويدفعهم لتقدير القيمة الفنية بصرف النظر عن اسم الفنان”.
