تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » غناء اليمنيين.. من نقش المسند إلى حنجرة الحادي

غناء اليمنيين.. من نقش المسند إلى حنجرة الحادي

بكيل محمد الكليبي

يُعد الغناء والطرب من أدوات التسلية وإدخال السعادة والراحة إلى القلب، والخلود إلى الاستمتاع بالحياة وملذاتها. فالأغاني والألحان العذبة والشجية ليست وليدة الصدفة أو اللحظة، بل إن الغناء جزء أصيل من الموروث الثقافي والشعبي والاجتماعي في اليمن عبر التاريخ. والقول بأن الغناء دخيل على اليمن واليمنيين هو قول مجانب للصواب جملة وتفصيلًا، لأن الغناء والألحان الشجية متأصلة في ثقافة المجتمع اليمني، الذي أفرد ألوانًا مختلفة من الأغاني والأهازيج الشعبية، وجعل لكل مناسبة اجتماعية لونها وطابعها الغنائي الخاص.

جاء في كتاب الأستاذ محمد مرشد ناجي “الغناء اليمني القديم ومشاهيره”:

(ذكر صاحب “الأغاني” أن غناء أهل اليمن يرجع إلى “علس بن زيد ذي جدن”، فقد زعموا أنه أول من تغنى باليمن، وأنه كان من ملوك اليمن. لُقّب بذي جدن لجمال صوته؛ فالجدن الصوت الحسن عند أهل اليمن.

ويستندون بالفعل – عربًا وغير عرب – إلى رواية المؤرخ العربي المسعودي – أبو الحسن علي بن الحسين – القائل: “وعرف اليمنيون نوعين من الأغاني: الحميري والحنفي، ولكنهم يفضلون الأخيرة، ونتعرف يتقدمون السابقين على غناء جاهلي هو الحميري ومعناه موسيقى الحميريين، على نوع أحدث منه هو الحنفي.)

ليس هذا فحسب، بل أفرد أهازيج وألحانًا ذات طابع بديع مرتبطة بمواسم الزراعة، يصدح بها المزارعون والمزارعات في حقول اليمن وربوعه، كـ”الحادي” الذي تتناقله أصوات الفلاحين في موسم “العُلّان” بأسلوب يأسر الألباب ويزيح أعباء التعب عن الوجدان. ومع تنوع تضاريس اليمن واختلافها من منطقة إلى أخرى، اختلفت معها أوتار الغناء وصخب الألحان الشجية من مكان إلى آخر.

ارتبط الإنسان اليمني بالأرض وتأصل بها، ونسج معها موروثًا زاخرًا بالغناء والألحان الشجية والعذبة التي تؤكد انسجامه مع حياة الاستقرار التي رافقت قيامه بالزراعة واستصلاح الأراضي الصعبة واستغلالها، مستفيدًا من المناخ الملائم والموقع الجغرافي. فوفّر الغذاء وبنى القصر، وبدأ يبحث عن أسباب جديدة للراحة تنسيه المتاعب الشاقة وعناء العمل، فكان الغناء وسيلة مناسبة لزيادة الطاقة والقدرة على الاستمرار، لا سيما أثناء العمل في الحقول المختلفة. وهذا يؤكد أن الألحان وتعدد الألوان الغنائية مرتبطة بصورة مباشرة بحياة الاستقرار التي ارتبطت بشكل واضح بنشأة الزراعة، أهم مورد اقتصادي اعتمد عليه اليمنيون في بناء وتشييد الحضارة.

وبما أن الإنسان خلد إلى الاستقرار، كان بحاجة إلى إيجاد وسائل للتسلية عن النفس تبعده عن صخب الحياة، وهذا ليس ادعاءً أو نوعًا من الهراء الذي لا يستند إلى دليل علمي، فهناك العديد من الشواهد النقشية التي تؤكد استخدام اليمنيين لأدوات موسيقية وتنظيم حفلات غنائية في العديد من المناسبات الاجتماعية.

والسؤال الجوهري: هل تطور الفن والغناء في اليمن عبر الفترات التاريخية المختلفة منذ القدم؟ وهل هناك ألوان مختلفة للغناء اليمني؟

الأغنية اليمنية بألحانها ليست مجرد إيقاع يُسمع أو دندنة عابرة تمر بين جنبات المدن والحواضر والأودية والجبال والهضاب، بل هي تختزل الزمن وترصد الأحداث. فهي قبل أن تكون طربًا، تاريخٌ يُروى لشعب امتلك وصنع حضارته بجهوده الخاصة، التي نسجها ودوّن إيقاعاتها وألحانها

تزخر اليمن منذ القدم بموروث شعبي واسع في مجال الغناء والفن، وما يؤكد ذلك وجود ألوان كثيرة للتراث الغنائي اليمني، ما يعني أن مراحل تطور الأغنية والفن والطرب والإيقاع الموسيقي مرت بفترات طويلة ومختلفة من التطورات التي نقلت الألحان والإيقاعات إلى مستويات كبيرة من الإبداع. وما يؤكد ذلك وجود الكثير من الألوان المختلفة للغناء والإيقاعات في الأغنية اليمنية، ميزها عما سواها من الأغاني والألحان الأخرى، وأضفى عليها طابعها الخاص الذي لا يمكن إنكاره أو تجريفه، كما يفعل اليوم بعض فناني الخليج الذين يسرقون الكثير من أغاني التراث اليمني بألحانها وينسبونها لأنفسهم. وهذا السطو ما أكثره في عالم الأغنية الخليجية التي لا يمكن القول بتطورها بعيدًا عن مسار ألوان الغناء اليمني المتنوع ومتعدد الإيقاع والمكانة التراثية التي يحملها الفن.

إن الأغنية اليمنية بألحانها ليست مجرد إيقاع يُسمع أو دندنة عابرة تمر بين جنبات المدن والحواضر والأودية والجبال والهضاب، بل هي تختزل الزمن وترصد الأحداث. فهي قبل أن تكون طربًا، تاريخٌ يُروى لشعب امتلك وصنع حضارته بجهوده الخاصة، التي نسجها ودوّن إيقاعاتها وألحانها، وخطها وكتبها بين الصخور وجذوع الأشجار بخط المسند وبعض المخربشات والرسوم التي لا تزال ألحانها تُتلى إلى اليوم. فتاريخ الغناء والفن والطرب اليمني لا يمكن اختزاله في سطور، والقول بذلك جهل بالموروث الغنائي الصاخب الذي يُعد من أعظم الكنوز الحضارية والثقافية على مستوى الجزيرة العربية. فما هو الغناء والطرب إن لم يكن موروثًا يمنيًا أصيل النكهة والحروف والبنيان، تتجلى به أعذب القصائد والألحان ذات البعد التركيبي البديع الذي يأخذ المرء بعيدًا عن صعوبات الحياة، ويجعل النفس تمعن النظر في الأفق القريب، ويبعث في النفوس إشراقة الأمل البعيد، ويزيح عن الوجدان الغطاء الكئيب، وتذهب معه الروح لتحلق في فضاء الأنس والروعة التي تخبو في أوتار اللحن، وتسكن معها الجوارح وتستكين بين ثناياها الآهات البعيدة، لتستريح معها الأشواق بعد عناء السفر.

نقلا عن منصة “امتداد”