تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » المسار البصري والتحولات الجمالية في تجربة الفنان التشكيلي حكيم العاقل

المسار البصري والتحولات الجمالية في تجربة الفنان التشكيلي حكيم العاقل

حمود الضبياني
يعد الفنان التشكيلي حكيم العاقل واحداً من أبرز رموز الفن التشكيلي اليمني والعربي، بفضل عطائه الممتد وإنجازه المتفرد الذي يجمع بين الأصالة الأكاديمية والتجديد المستمر. 


    يتوزع عطاء الفنان بين التصوير الفني، الجداريات (وهو تخصصه الدقيق حائزاً فيه درجة الماجستير بامتياز)، التصميم، النحت، الحفر والتصوير الجرافيكي، فضلاً عن كونه ناقداً وباحثاً يمتلك العديد من الدراسات والمقالات النقدية، ومتمكناً حذقاً من قواعد التشريح والتمثيل والتجريب والتلوين والتكوين المعقد. 


    وتتجلى مسيرته الحافلة عبر مرحلتين مفصليتين تعكسان تحول الرؤية والمعالجة التشكيلية لديه: 
التجربة الأولى (منتصف الثمانينيات – 2011):
استمد فيها موضوعاته من الواقع والحياة اليومية والبيئة اليمنية والتراث، دون السقوط في المحاكاة أو التسجيل الفوتوغرافي المباشر، حيث لعب الخيال الخلاق والاختزال والتطوير الشكلي دوراً محورياً في بناء أعماله. فجاءت تجربة متفردة ذات خصوصية أصيلة، نابعة من الذات ولا تشكل صدى لأي تيار أو اتجاه فني معاصر. 


التجربة الثانية (بداية مرحلة “عين الطائر” عام 2012 حتى الآن):
شهدت تحولاً وتبدلاً جذرياً في اختيار الموضوع برؤية مغايرة عن الرؤية التقليدية (الأفقية)، وكأن المشاهد طائر يرى بعين النسر، وكذلك أسلوب المعالجة،  حيث أصبح الخيال المحرك الأبرز في إنشاء وبناء فضاءه البصري. ينتقل الفنان في هذه المرحلة بين الفضاءات الداخلية والخارجية، ليكون الإنسان والمكان هما البطالان الرئيسيان في المنجز البصري. كما ترافق مع هذا التحول الفكري اتجاهه الأساسي للتصوير بخامة الأكريليك، ليطوع مرونتها وسرعة جفافها في تجسيد أفكاره المتدفقة وتكييف ملمسها على السطح، تماماً كما طوع خامة الزيت في تجربته السابقة. 


   تتوج هاتان التجربتان بمسار حافل يتجاوز عشرين معرضاً فردياً أقامه الفنان في عدة عواصم عربية ودولية (منذ معرضه الأول بموسكو عام 1992، وصولاً إلى معرضه العشرين بالقاهرة عام 2026). 


   وتأتي أعمال معرضه العشرين “عرافة النجوم” امتداداً ناضجاً لهذه التجربة الثانية، حيث تقدم قراءة عامة تتجسد فيها خبرة الفنان في إدارة الفضاء البصري وتنظيم العناصر التشكيلية. ولا تقتصر أعمال هذا المعرض على زاوية “عين الطائر” فحسب، بل تنوعت فيه المعالجات المنظورية لتشمل مستويات رصد مواجهة وأفقية تمنح المشاهد نفاذاً مباشراً لأعماق التكوين.


  ويعتمد المعرض على حشد صياغي متوازن بين الإنسان والمكان المعاش، تتشابك فيه الشخوص في الفضاءات لتنسج حواراً متناغماً يجمع بين روح الأصالة، وتقاليد العيش، وتأمل السماء، في بناء مشهدي كلي يعكس قدرة الفنان الاستثنائية على تحويل صور خياله الذهني إلى نص بصري متكامل يحتفي بالحياة والإنسان.