في معرضه الجديد الذي استضافه أخيرًا غاليري ياسين بالقاهرة تحت عنوان «استهلاكي»، يقدّم الفنان التشكيلي المصري ياسر جعيصة رؤية بصرية ناقدة تتجاوز المعنى الاقتصادي للاستهلاك، لتغوص في عمقه الثقافي والسلوكي بوصفه نظامًا يوميًا يحكم تفاصيل حياتنا المعاصرة.
لا يتعامل جعيصة مع الاستهلاك كفعل شراء عابر، بل باعتباره منظومة متكاملة تعيد تشكيل علاقتنا بالأشياء، بل وبأنفسنا أيضًا. وفي هذا الإطار يعتمد الفنان على «الأثر» كمدخل جمالي، حيث يغيب الإنسان بجسده عن معظم اللوحات، لكنه يحضر عبر ما يخلّفه من مفردات متراكمة مثل كراتين الشحن، والأحذية، والكاميرات، والصحف، وأكواب القهوة، وعبوات الطعام والمشروبات.
وهذا التكديس لا يبدو مجرد ازدحام بصري، بل استراتيجية واعية تصنع ثقلًا دلاليًا يضع المتلقي في مواجهة مباشرة مع فائض استهلاكي ضاغط، يكاد لا يترك للعين فرصة للراحة أو التأمل. ومن خلال 28 لوحة ذات أحجام كبيرة، تتحوّل السلعة إلى بطل مهيمن على المشهد، في انقلاب رمزي للأدوار بين الإنسان ومنتجاته.
وتتجلى الإحالة المعاصرة بوضوح في لوحات تكدّس الكراتين، بما يعكس تصاعد ثقافة الشراء الإلكتروني، بينما تتخذ أعمال أخرى منحى فانتازيًا في تصوير وفرة الطعام والحلوى، حيث تنقلب الوفرة من علامة رخاء إلى مشهد إشكالي يثير القلق.
ورغم الغياب شبه الكامل للجسد، يطلّ البعد الإنساني في لوحة «استهلاكي من الأصدقاء»، التي يوسّع فيها جعيصة المفهوم ليشمل العلاقات الإنسانية ذاتها، في إشارة إلى منطق الاستبدال والتخلي الذي قد يحكمها. وتلعب الألوان، بين الداكنة والمحايدة والزاهية المشبعة، دورًا محوريًا في تعزيز هذا الإحساس بالإغواء والضغط البصري.
ومن خلال هذا الطرح الفني والفلسفي، لا يقدّم المعرض إدانة مباشرة بقدر ما يفتح مساحة مساءلة، يمكن تلخيصها في هذا السؤال: هل أصبح الاقتناء اليوم رغبة طبيعية، أم غريزة متضخمة، أم شَرهًا يتخفّى في هيئة نمط حياة؟ سؤال يتركه جعيصة معلقًا في فضاء اللوحة، ومفتوحًا على تأويلات المتلقي، خصوصًا ما يتعلق بمنطق الشراء.
