لا بد من الإشارة، بداية، إلى أن تصوير الحرب في الفن يُعتبر أحد الموضوعات الأساس في تاريخ الفن. فمنذ عصور ما قبل التاريخ، تضمّنت فنون الصخور العديد من تصوير مشاهد الحرب والمعارك. وقد جرى، عادة، تُصوير الحرب في لحظة اندلاعها، وتركز هذه الصور عمومًا على الأفراد، وغالبًا ما يكونون جنودًا، ولكن أحيانًا مدنيين أيضًا. وتتضمن هذه المشاهد عادةً شخصيات من الموتى والأحياء؛ وغالبًا ما يُبرز هذا التناقض في لوحات الحرب، ويرتبط موضوع الموت ارتباطًا وثيقًا بموضوعها.
لو عدنا إلى التاريخ، لرأينا كم أدّت الحروب إلى مآسٍ إنسانية، وهو أمر مسلّم به، للأسف. في الحروب العالمية الماضية لقي الملايين حتفهم، وتشوّهت أجساد ملايين الرجال من كل قارة، وجُرحت عقولهم وقلوبهم. لقد كانت الحروب الكبرى، زلزالًا جيوسياسيًا هزّ العالم أجمع على الدوام، وأعاد رسم حدوده. اعتقد البعض، ذات يوم، أن الحرب العالمية الأولى ستكون الأخيرة، ومع ذلك كانت أحد أسباب الحرب العالمية الثانية التي تلتها. لقد ساد الاعتقاد، في بلدنا حتى، أن الحرب التي وقعت منذ عام ونصف “قد تكون” الأخيرة. لكن هذا الاعتقاد ذهب أدراج الرياح، وتعقّدت الأمور أكثر مما كانت عليه سابقاً، بحيث أصبحت وسائل التعبير أعجز من أن تلاحق الحدث، الذي صار أكبر منها. في كل الأحوال، لم يستطع الفن، على طول الخط، أن يبقى بمنأى عن عنف هذه الحوادث الكبرى، ومحاولة التعامل معها من وجهة نظره وإمكاناته.
الفنانون في قلب المعركة
تاريخياً أيضاً، إذا ما عدنا إلى الوراء، فيمكن القول إن الحرب العالمية الأولى تركت أثراً واضحاً في الفن التشكيلي، وذلك أكثر مما سبقها، وما سيتبعها. ويعود السبب لكونها أول حرب في تاريخ البشرية ذات طبيعة عالمية، ولو أن ساحتها الأساسية اقتصرت على القارة الأوروبية وبعض أسيا. هذا، علماً أن التداعيات والانعكاسات على أنواعها، تتشابه في الحروب كلّها.
ففي العام 1914 تم تجنيد الفنانين، كغيرهم من المواطنين، وأُرسلوا إلى الجبهات، حيث واجهوا أهوال هذه الحرب الشاملة والحديثة والآلية. عاش الفنانون الحرب في شكل مباشر، وقد انبثقت مجموعة كبيرة من الأعمال الفنية من هذا الصراع. ومع ذلك، فإن القليل من هذه الصور سيكون في إمكانه عكس القوة التدميرية للأسلحة الجديدة (وقد أصبحت قديمة في الوقت الحالي)، وضراوة القتال، ووحشية الاشتباكات المباشرة. ومن المؤكد أن الفنان المتمركز على الجبهة، حينذاك، لم يكن لديه متسع من الوقت لتدوين انطباعاته في دفتر ملاحظاته. ففي الوحل، وتحت نيران الرشاشات، كان غارقًا في جو من الموت والألم، يتوق إلى الفرار منه. علاوة على ذلك، كانت الرقابة حاضرة دائمًا، وكانت معارض الفنانين الجنود تخضع لإشراف السلطات العسكرية. ولكن، قبل كل شيء، كانت الصور الفوتوغرافية هي السائدة، حيث عرضت المجازر وعنف القتال في الصحف المصورة.
هل يمكن أن يكون استحالة تصوير البشرية لمثل هذه الوحشية العبثية أحد أسباب “صمت الرسامين”، وهو الذي ناقشه فيليب داجين، الناقد الفرنسي والباحث في تاريخ الفن، عندما أوضح أن عمله “لا يفترض عدم وجود أي تمثيل للحرب، بل يتساءل عن العدد القليل من التمثيلات التصويرية، التي يمكن الاعتراف بجودتها الفنية ومكانتها في تاريخ الفن الحديث دون تردد”؟ صحيح أن التصوير الفوتوغرافي، الذي كان مزدهرًا آنذاك، استغل الحرب، ناقلاً إياها إلى صحافة متعطشة لصور مذهلة من الجبهة، مُدشنًا، كما يؤكد داجين، “عصر الموت في الوقت الحقيقي”. لقد أفسحت الحرب “البطولية”، بهجمات الفرسان والمعارك الملونة، المجال لجنود مدفونين في الخنادق أو غارقين في الوحل، ولأجساد ممزقة بشظايا القنابل.
من غويا إلى هنري ماتيس
لقد أضفى الأسلوب “الكلاسيكي” السائد في أعمال الحرب العالمية الأولى طابعًا واقعيًا، بأسلوب وصفي وجمالي آسر. فضّل الفنانون رسم صورة الجندي – سواء أكان من أبناء وطنه أم من الأعداء – ومناظر الخراب، ومشاهد الحياة العسكرية اليومية. تُقدّم أعمال الفنانين الجنود، من خلال رسوماتهم، بُعدًا تعليميًا مميزًا، يعكس رغبةً في تصوير الجوانب العادية والاستثنائية لتجاربهم الشخصية. على أن لوحة فرنشسكو دي غويا الشهيرة، العائدة إلى القرن التاسع عشر، ما قبل الحروب العالمية، والمسمّاة “الثالث من مايو 1808″، لا تعكس أجواء حربية، بل هي أقرب إلى المأساة. ففي ليلة 2-3 أيار- مايو 1808، أعدم الجنود الفرنسيون، انتقامًا لانتفاضة 2 مايو، المقاتلين الإسبان الذين وقعوا في الأسر خلال المعركة (حوالي 400 إعدام). تُجسّد لوحة غويا الرومانسية (بحسب التصنيف العائد لطبيعة النوع) تمجيدًا للشجاعة الثورية. قبل شهرين، كان غويا قد رسم المعركة في الثاني من أيار – مايو، العام 1814، لكن عمله هذا كان ترك صدى عالميًا واسعًا لدى الناس نظرًا لطابعه العالمي، الذي يمكن أن يحدث في كل زمان ومكان.
الفنان الإنكليزي إريك كينينغتون (1888-1960) كان جندياً في سلاح المشاة في بداية الحرب العالمية الأولى. أصيب في تلك الحرب، في حزيران – يونيو من العام 1915، وتم إجلاؤه. خلال فترة نقاهته، رسم لوحة “عائلة كينينغستون في لافينتي”، شتاء العام 1914، والتي يصور فيها نفسه مع مجموعته من جنود المشاة، والتي صارت بدورها شاهداً على طبيعة تلك الحرب.
كان فوج كينينغتون قد أمضى شتاء العام 1914 القارس في خنادق الخطوط الأمامية، أمام قرية لافينتي في منطقة با دو كاليه. كانت الخنادق رديئة البناء، وكثيراً ما كانت تتعرض لنيران المدفعية. تُصوّر اللوحة، التي رُسمت بالقلوب على الزجاج، لحظةً شقّت فيها الفصيلة، بعد أربعة أيام وليالٍ قضتها في خندق ناري أمامي، طريقها عبر خندق اتصالات غمرته المياه إلى قرية لافينتي المُدمّرة. ينتظر الرجال الأمر بالاصطفاف للمسير لمسافة خمسة أميال إلى ثكنة ليلية خارج نطاق القصف. اللوحة عبارة عن صورة جماعية لتسعة جنود من فصيلة المشاة التي كان كينينغتون قائدها، وهي الفصيلة رقم 7، السرية ج. بذل كينينغتون جهوداً كبيرة للتواصل مع رفاقه السابقين ورسمهم أثناء تحضيره للوحة. يصور العمل الفني ثمانية أشخاص يقفون على الأرض المغطاة بالثلوج وسط مخلفات الحرب، بجانب جدار مطلي باللون الأبيض، سبعة منهم في مجموعة متفرقة إلى اليسار وواحد بمفرده على اليمين يطل عليه صليب جلجلتة في الزاوية العلوية اليمنى، بينما يرقد التاسع على الأرض بالقرب منه.
تجدر الإشارة إلى أن لوحة الفنان الإنكليزي، الموجودة في المعرض الوطني الكندي، كانت خير معبّر عن طبيعة تلك الحرب، التي شكّلت الخنادق جزءاً لا يتجزأ من طبيعة معاركها القاسية، وهو ما لم يعكسه الفن التشكيلي فحسب، بل جملة من الأعمال السينمائية، كالفيلم الأميركي- البريطاني”1917″ (2019)، للمخرج سام منديز، على سبيل المثال، إضافة إلى شرائط سينمائية أخرى حاولت عكس طابع تلك الحرب القاسية.
بين التكعيبية والمستقبلية
تساءل بعض الباحثين في تاريخ الفن إذا ما كانت التيارات الفنية الحديثة كالتكعيبية والمستقبلية قادرة على التعبير عن الحرب، أو ما يمت إليها بصلة؟ في هذا المجال يمكن الحديث عن عمل كريستوفر نيفينسون، الرسام الإنكليزي الذي غيّر أسلوبه تبعًا لهدفه التعبيري. كان الفنان يبلغ من العمر 25 عامًا في عام 1914، وكان اكتشف التكعيبية في باريس عام 1900.
يستخدم نيفينسون أسلوبًا هندسيًا تكعيبيًا ليُجسّد الطبيعة اللاإنسانية والآلية للحرب. يُعبّر هذا التجمع الكبير للقوات السائرة عن ديناميكية “الآلة العظيمة للحرب الحديثة”، التي مجّدتها الحركة المستقبلية كوسيلة لتحرير العالم من ماضيه المُحتضر. بعد خدمته مع الصليب الأحمر على الجبهة، عُيّن نيفينسون فنانًا حربيًا رسميًا عام1917. وقد تأثر بشدة بمجازر المعارك، فرسم لاحقًا صورًا تُصوّر تجريد الجنود من إنسانيتهم، ثم انفصل عن مبادئ الحركة المستقبلية العام 1919.
لوحة “دروب المجد” للفنان نفسه رُسمت العام1917. تُصوّر هذه اللوحة جنديين بريطانيين قتيلين مُلقين على وجوههما في ساحة معركة على الجبهة الغربية. يرقد الجنديان في وحل الحرب وحطامها، على حافة سياج من الأسلاك الشائكة. تُعرض اللوحة في متحف الحرب الإمبراطوري في لندن، وتُوصف بأنها “إحدى أشهر لوحات كريستوفر نيفينسون”. أما الاسم، أي عنوان اللوحة فهو مُستوحى من بيت شعر في قصيدة توماس غراي “مرثية كُتبت في مقبرة ريفية”: “دروب المجد لا تؤدي إلا إلى القبر”. مُنعت هذه اللوحة من العرض عام 1918، إذ كان من المرجح أن يُنفر أسلوبها الواقعي، الشبيه بأسلوب كوربيه، الجمهور. رفض نيفينسون إزالتها وأخفاها خلف ورقة بنية كُتب عليها “خاضعة للرقابة”، وفي العام 1957، استخدم ستانلي كوبريك هذا العنوان لفيلم يندد بعبثية الحرب.
نافذة هنري ماتيس
تُعدّ لوحة “نافذة مفتوحة في كوليور”، التي رُسمت عام 1914، عملاً فنياً فريداً من نوعه في مسيرة ماتيس الفنية (كان شقيقه وابناه مُجندين في ذلك الوقت، بينما هو لم يُجنّد نظراً لسنه المتقدّم). كتب أراغون: “يُفضي فتح النافذة الفرنسية إلى فضاءٍ مُظلم، إلى الحدث الذي سيُحطّم حياة الرجال والنساء في الظلام، إلى الصمت الذي يسكنه المستقبل”.
في هذه اللوحة يُقدّم الفنّان صورةً تتسم ببساطةٍ جذرية، تقترب من التجريد. وبهذا المعنى فُسِّر العمل عند عرضه لأول مرة، بعد وفاة الفنان بفترة طويلة، في معرضٍ متنقلٍ بالولايات المتحدة العام1966. ومع ذلك، وكما تُشير بعض العناصر، تبقى هذه اللوحة مرتبطةً بالتمثيل، بكل ما تحمله من أحاسيس وعاطفةٍ، والتي ارتبطت، بالنسبة لماتيس، بموضوع النافذة، الذي رأيناه في العديد من أعماله. بعض التفاصيل تصويريةٌ بشكلٍ واضح، مثل الخطوط على المصراع الأيسر، التي تُوحي بالشقوق. وبالمثل، يُعيد ميل الجدار في أسفل اللوحة البُعد الثلاثي لتمثيل أرضية غرفة النوم. وأخيرًا، لا تزال الأشجار وسور الشرفة ظاهرةً، وذلك على الرغم من التبييض الأسود الذي طُبِّق خلال جلسة العمل الأخيرة.
وفي ما يتعلق بلوحةٍ رسمها عام 1916، والتي يهيمن عليها اللون الأسود، صرّح ماتيس بأنه بدأ “باستخدام الأسود كلونٍ للضوء لا كلونٍ للظلام”. يبدو أنه كان يتجه بالفعل نحو اكتشاف اللون الأسود كرمزٍ للضوء الساطع، الذي يخترق هنا فضاء النافذة المفتوحة. وخلافًا للعديد من النوافذ الأخرى التي رُسمت في كوليور منذ العام 1905، لا تهدف هذه النافذة إلى فصل الفضاء الداخلي عن المنظر الطبيعي. فبين الداخل المظلم والخارج الأكثر ظلمة، لا تُضاء سوى الحواف، أو مصاريع النوافذ، أو حدود الفتحة. وباندماجها مع مستطيل اللوحة، تُنظر إلى هذه النافذة لذاتها، كموضوع رمزي للوح، وخلافًا للعديد من نوافذ ماتيس الأخرى لا تهدف هذه النافذة إلى تجسيد فضاء داخلي أو منظر طبيعي، كما هي العادة.
نقلا عن موقع “المدن”
