بالأغنية ورنة العود وشجن الناي الحزين يتلقى عشرات الفتية والفتيات تدريباتهم اليومية في محافظة لحج اليمنية (جنوب) ضمن مشروع “أنغام وألوان من لحج”، مرددين ما بقي في الحناجر من أهازيج تؤكد أن طبول الحرب لن تسكت صوت الفرح ولحن الحياة .
ويأمل القائمون أن ينجح المشروع في إعادة الاعتبار للواقع الثقافي بعدما عزله جدار أقامه الصراع حال بينه والأجيال الجديدة التي باتت تجهل تراثها الإنساني اللامادي، وفي مقدمها الغناء كما هي الحال ببلدان الصراع.
إعادة التعافي
ليس ثمة وسيلة تعبر عن الشعوب كالفنون وإرثها المتعدد بعد تجديدها وتطويرها. ووفقاً لذلك يؤكد رئيس مؤسسة سطور الثقافية أيمن السقاف أن المشروع المدعوم من الاتحاد الأوروبي بالشراكة مع معهد غوته هو الأول من نوعه في المحافظة ويمثل فرصة لانتشال الواقع الثقافي والإبداع إلى مستوى يعيد التعافي لهذه المحافظة التي عرفت بعطائها الفني والغنائي والأدبي البارز بعد سنوات طويلة من الركود والغياب.
ويوضح السقاف خلال حديثه إلى “اندبندنت عربية” أن المشروع فرصة جاذبة لإلحاق المواهب الشابة ببرنامج تطوير مهاراتهم على يد فنانين متخصصين، سواء في الغناء والموسيقى أو الفنون التشكيلية وباقي أدوات التعبير الفني التي يوفرها التدريب.
عن تفاصيل المشروع يكشف عن أن مدة التدريب 10 أيام بواقع أربع ساعات في اليوم يتدرب فيها المشاركون على مهارات الغناء والتناغم الصوتي والكورال والغناء المنفرد والعزف على مختلف الآلات الموسيقية، مستندين إلى تجربة غنائية ضخمة من الأعمال القديمة التي ملأت الفضاء الفني منذ عشرات السنين على يد المدرب الفنان مراد العقربي.
بالنظر إلى الواقع اليمني اليوم فمن اللافت أن تضطلع مؤسسة مدنية بهذه المهمة وتفتح أبواب الدراسة للطلاب والنشء لتعلم الموسيقى والفنون في ظل ظروف صعبة تعانيها البلاد، وخصوصاً مناطق سيطرة الميليشيات الحوثية الجماعة الراديكالية التي تضيق ذرعاً بالفنون.
مخرجات واعدة
على رغم آلة القمع الديني والاجتماعي التي حطمت “القنبوس” (العود اليمني القديم) في السنوات الماضية، وكانت ترتبط بالسلطة، وتحريضها المجتمع من منابر المساجد على تجريم الفنون، فإن الفن في لحج خصوصاً، ظل محافظاً على حضوره على رغم ما يتهدد العاملين فيه.
بحسب السقاف يهدف التدريب إلى “تشجيع المواهب وإعادة الاعتبار للفنون، سيتوج بتصميم لوحة غنائية جماعية ستقدم خلال حفل فني في نهاية المشروع تعبيراً عن المهارات الفنية الغنائية التي اكتسبها المشاركون خلال أيام التدريب”.
إضافة إلى ذلك يشير السقاف إلى “قسم الفنون التشكيلية الذي شهد إقبالاً كبيراً خلال التدريب اليومي، وشمل الرسم ورسم اللوحات والبورتريه على يد المدربة الفنانة خولة اليماني التي تشرف على استعداد المشاركين لإقامة معرض عام نهاية المشروع”.
ووفقاً للتنوع الجغرافي والتضاريس والمناخ شديد الاختلاف، من صحارى وجبال وسواحل، تنوعت بنية المجتمع وفنونه الشعبية، ومنها الأغاني التي تقوم على أربعة ألوان رئيسة هي الصنعاني واللحجي والحضرمي واليافعي، وغيرها.
ومن أبرز رواد لحج الفنان فضل محمد اللحجي والشاعر عبدالله هادي سبيت والفنان فيصل علوي وأحمد فضل العبدلي (القمندان) ومحمد سعد صنعاني والفنان أحمد عبدالله الشلن والفنان سعودي أحمد صالح والفنان عبدالكريم توفيق والفنان فضل ميزر، وغيرهم.
الموهبة تنتظر الفرصة
بعدما ظل عملهم في الفترة السابقة محصوراً في الجهود الذاتية بإقامة ورش عمل وندوات علمية وثقافية وفعاليات شعرية وأدبية وقراءة في كتاب، تقول مؤسسة سطور في المحافظة إنها تسعى إلى استعادة نشاطها بتوعية الأجيال الجديدة بالفنون إيماناً بأن “الفن ليس موهبة فقط، ولكنه قدرات ولغة تواصل قادرة على تغيير الواقع والموهبة تستحق الفرصة، ولدينا كثير من المواهب التي تنتظر الفرص”.
