تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » كيف تبدلت ثنائية همجي ومتحضر في الموسيقى

كيف تبدلت ثنائية همجي ومتحضر في الموسيقى

جمال حسن
ما يعد في حقبة زمنية فاصلا بين الهمجية والتحضر، في التعبير الثقافي او الفنون، لا يبقى ثابتا. وهذا ما يمكن استخلاصه في التعدد الصوتي او اليوليفونية، في الموسيقى او الغناء.


وهذه من المسائل التي يستند لها الغرب بوصفها ابتكار غربي، وعلامة من علامات تفوق موسيقاهم. ولا يمكن انكار ما بلغته موسيقى الغرب من تفوق في نظامها البوليفوني والهارموني. وما يمتاز به هذا النظام عن الموسيقى المونوفونية Monophony، وهي دلالة على اللحن الأحادي الذي يقابله بوليفوني او تعدد الأصوات اللحنية.
لكن كيف نشأت الموسيقى البوليفونية؟ وهل لها علاقة بذائقة النخبة الجيرمانية التي هيمنت على غرب اوروبا، ودمرت الامبراطورية الرومانية. 


هل يعود لمنبع غنائي، يقوم على اشكال من التعدد الصوتي، له جذور في غناء القبائل الجيرمانية؟ ولا شك ان الرومان كانوا ينظرون له، كشكل من التعبير الهمجي، وفقا لنظرتهم نحو الجيرمان بوصفها قبائل بربرية. والرومان على غرار اليونان، انتظمت موسيقاهم على ألحان أحادية.
اما التعدد الصوتي او البوليفوني، فمتجذر في ثقافات شعبية، كما هو الحال في الغناء الفولكلوري يوجد في البانيا مثلا ويعرف باسم Iso- Polyphony، وايضا في بلغاريا باسم The Bistritsa Babi.. وهذه لها جذور تمتد الى قديم الزمان، وعلى صلة بشعوب البلقان القديمة. وبما ان اليونان عرفوا الاخر كبربري، فهذه الموسيقى كانت بربرية في نظرهم.


اللافت ان البوليفونية، لها جذور قديمة لدى شعوب افريقيا الوسطى او ما يعرف بأغاني Aka Pygmies. وورث عنهم الرومان ذلك. ثم ان هذا النظام كان له نفس المعنى في الشرق الاسلامي فترة هيمنتهم الحضارية.
والأصوات البدائية، ربما نابعة من طقوس مرتبطة بجذور طقوسية، وهو مجرد احتمال يتطلب بحث.


وكما نعرف بدأت الموسيقى البوليفونية منذ وقت مبكر، في غرب اوروبا، ربما القرن الثامن الميلادي. وبما ان الفترة التي تبعت انهيار روما، وما يعرف بالعصر القوطي، وهو مصطلح يرمز لكل ما هو همجي، رغم ما فيه من لمحات جذابة ايضا حتى في الفنون. لكن ما يمتاز به الغرب، هو ذلك التفاعل بين الهمجية او البربرية والتحضر، ليختمر في تلك الانطلاق التي عرفت بعصر الرينسانس وايضا التنوير وما بعده.


لكن بعض ما كان بربري أو همجي، أصبح لاحقا ذو دلالة لما هو متحضر والعكس. وما كان من هذا التفاعل انعكس على طبيعة الموسيقى، فالتعدد الصوتي، كان حافزا، لانبعاث شكل من التنظيم استحدثه ما يعرف بالاورجانوم، وهو خط لحني او أكثر يرافق اللحن الرئيسي، بخطوط لحنية مختلفة ويتوافق معه، على ان تكون الخطوط من طبقات صوتية مختلفة.
ولا شك ان البوليفونية الشعبية او الفولكلورية، اقرب للبدائية، ولا تعتمد على تلك القوالب المنتظمة التي طورها الغرب لاحقا. لكن هذا التعقيد من تعدد الألحان كان حافزا لابتكار شكل من التدوين الموسيقي، لحفظ الموسيقى التي يصعب تداولها شفاهيا كما هو في الألحان ذات المونوفونية او الأحادية.


واختيار البوليفونية، ليس من قبيل العبقرية، بقدر انه نابع من ممارسات تقليدية، أو موروث. لكن العبقرية تكمن في تطويره، وتنظيمه، بحيث يغدو المعقد قابلا للتطويع بمرونة أكثر، وقابلا لإصدار أصوات سلسة وأكثر ديناميكية. ويمكن فهم ذلك من خلال تتبع نماذج تعود للقرن الثاني عشر وما بعده مرورا بعصر النهضة والباروك، وصولا الى بيتهوفن والرومانتيكيين الكبار.. حتى لاشكال الجاز الأكثر تعقيدا في هارمونيتها في بعض الحالات..