أحمد هادي
قراءة فنية للوحة «صنعاء: حضارة وتاريخ» للفنان التشكيلي اليمني وسام العنسي
بيانات العمل:
العنوان: «صنعاء: حضارة وتاريخ»
الخامة: زيت على قماش
المقاس: 60 × 80 سم
سنة الإنتاج: 2023
يقدم لنا الفنان التشكيلي اليمني وسام العنسي في هذه اللوحة مشهدًا عمرانياً تشكيليا لصنعاء القديمة، بطرازها المعماري الفريد، وما يزخر به من قيم جمالية وزخارف فنية وهندسية، في صياغة تمزج بين التوثيق المعماري والرؤية التشكيلية المعاصرة.
وتأتي هذه اللوحة ضمن تجربة فنية تمتد لأكثر من عقدين، انشغل خلالها العنسي بتجسيد البيئة اليمنية، ريفا ومدينة، والموروث الشعبي والمعمار اليمني والطقوس الفلكلورية. ويتسم أسلوبه بالواقعية التأثيرية، حيث لا يكتفي بتسجيل ملامح المكان، وإنما يعيد صياغته من خلال الضوء واللون والانطباع الوجداني.
وقد أقام العنسي عددًا من المعارض الشخصية، من بينها معرض «ريشة هائمة في سماء اليمن» في القاهرة عام 2019، ومعرض «تراث اليمن» بدار الأوبرا المصرية عام 2020، كما شارك في العديد من المعارض المحلية والدولية، وحصل على جوائز وتكريمات، من أبرزها جائزة رئيس الجمهورية عام 2010، والميدالية الذهبية في ملتقى بصمات الفنانين التشكيليين العرب بالقاهرة عام 2017.
ومن هذا السياق يمكن النظر إلى اختياره لصنعاء القديمة في هذه اللوحة بوصفه امتدادًا طبيعيًا لاهتمامه بالبيئة والتراث والمعمار اليمني، حيث يتحول المكان لديه من موضوع بصري إلى حامل للهوية والذاكرة.
التكوين والبناء البصري
ينبني تكوين اللوحة على التراكم الرأسي؛ فتتصاعد بيوت صنعاء القديمة من المقدمة نحو الخلف، وتتداخل في كتلة عمرانية واحدة، مما يمنح اللوحة إحساسًا بالعمق والكثافة.
ويأتي القوس الكبير في أسفل اللوحة بوصفه عنصرًا بصريًا محوريًا، تقابله امتدادات المباني والمآذن في الأعلى، فتتوازن الحركة بين الكتلة الأفقية ومسارات الارتفاع الرأسي.
كما أن تدرج أحجام المباني يخلق إحساسًا واضحًا بالعمق والمنظور، وإن كان الفنان لا يلتزم بالمنظور الهندسي الصارم، بل يميل إلى معالجة تعبيرية تسمح بإظهار أكبر قدر ممكن من التفاصيل المعمارية، مع الحفاظ على وحدة المشهد.
البناء اللوني في اللوحة
تسيطر على المباني درجات من البني والأحمر والطوبي والأصفر الترابي، وهي ألوان تمنح المكان دفئًا وارتباطًا بالبيئة المحلية.
وفي المقابل، تأتي السماء بلون أزرق كثيف ممزوج بمساحات وردية وصفراء، فتخلق تضادًا لونيًا جميلًا بين دفء العمارة وبرودة الفضاء. وهذا التضاد لا يؤدي وظيفة جمالية فحسب، بل يجعل العمارة تبدو وكأنها مركز الحياة والوجود داخل اللوحة.
كما أن توزيع البياض على الواجهات يجعل الزخارف البيضاء بارزة بقوة، وخاصة حول النوافذ والأقواس والشرفات.
فالبياض في اللوحة ليس مجرد انعكاس ضوئي، وإنما عنصر زخرفي أساسي يحدد إيقاع الواجهات ويمنحها وحدتها البصرية.
الخط والزخرفة
من أبرز نقاط القوة في اللوحة كثافة الخطوط والزخارف الهندسية والنوافذ المقوسة.
والتكرار في هذه العناصر يصنع إيقاعًا بصريًا قريبًا من الإيقاع الموسيقي؛ فكل واجهة تكرر مفردات معمارية مألوفة، لكنها تختلف في توزيعها وحجمها، فتتعدد الإيقاعات داخل وحدة المشهد.
وهنا تتحول الزخرفة من مجرد تفصيل معماري إلى لغة تشكيلية مستقلة، تسهم في بناء هوية المكان وإيقاعه البصري، وتمنح العمارة حضورها الجمالي المميز.
الحركة والإنسان
وجود الشخصيات الصغيرة في أسفل اللوحة وعلى الطريق مهم جدًا؛ فهي تمنح المباني مقياسها الإنساني، وتكسر سكون العمارة، وتوحي بأن هذه المدينة ليست أثرًا جامدًا، وإنما فضاء نابض بالحياة.
ومع ذلك، جعل الفنان الإنسان عنصرًا ثانويًا أمام ضخامة المدينة، وكأن المدينة نفسها هي الشخصية الرئيسية في العمل.
أما الطريق الممتد من بوابة القوس، فيؤدي وظيفة بصرية مهمة؛ إذ يقود عين المتلقي من المقدمة إلى داخل المشهد، ويمنح التكوين حركة باتجاه قلب المدينة.
الأسلوب الفني
لا تبدو اللوحة واقعية بالمعنى الأكاديمي الصارم، رغم اعتمادها على عناصر معمارية واقعية؛ فهي تعيد صياغة الواقع من خلال التبسيط والاختزال والتلوين التعبيري.
وهذا ينسجم مع ما يميز تجربة وسام العنسي من واقعية تأثيرية؛ إذ يحافظ على ملامح المكان وهويته المعمارية، لكنه يترك للون والضوء والانطباع الوجداني مساحة واسعة في بناء المشهد.
وتظهر هذه النزعة بصورة خاصة في معالجة السماء، وفي العلاقة بين الضوء والألوان الترابية للعمارة، بحيث يتحول المشهد من مجرد تسجيل بصري لصنعاء القديمة إلى رؤية فنية تستحضر روح المكان وذاكرته.
الدلالة والسيمياء
على المستوى الدلالي، لا تظهر صنعاء القديمة في اللوحة مجرد مبانٍ جامدة، بل تتحول إلى رمز للهوية والذاكرة والمكان.
وخلف هذه المباني والنوافذ الملونة تختبئ حكايات سكانها؛ آلامٌ وأحلامٌ وآمال، تتعدد بتعدد ألوان المدينة.
فالبيوت بكثافتها وتلاصقها توحي بمجتمع متماسك، وبحياة تشكلت داخل هذه الجدران عبر أزمنة متعاقبة.
أما باب اليمن في مقدمة اللوحة، فيمكن قراءته بوصفه عتبة رمزية بين فضاء المتلقي وفضاء المدينة؛ فالطريق الذي يمر من خلاله يدعو عين المشاهد إلى الدخول في الذاكرة المكانية لصنعاء القديمة.
وهكذا لا يعود الباب مجرد عنصر معماري، بل يصبح علامة على العبور: عبور من الحاضر إلى الماضي، ومن المشاهدة إلى الذاكرة، ومن المكان بوصفه جغرافيا إلى المكان بوصفه هوية.
صنعاء بين القصيدة واللوحة
تبدو لوحة وسام العنسي لصنعاء القديمة كأنها قصيدة صامتة كُتبت باللون، واستعادت المدينة من غبار الزمن لتمنحها وجهها الذي ظل حيًا في الذاكرة.
فالبيوت المتعانقة، والمآذن الشامخة، والأقواس والنوافذ المزخرفة، والأسوار والبوابات، تتآلف في نسيج بصري يجعل العمارة اليمنية بطلةً للمشهد؛ لا بوصفها حجرًا صامتًا، بل بوصفها ذاكرةً تنبض بالحكايات.
وهنا تتقاطع اللوحة مع صنعاء البردوني؛ ففي شعره تظهر صنعاء امرأةً جميلةً وحزينة، بنتَ ملوكٍ وحاملةَ تاريخ،
