تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » “خذ المال واهرب”: كيف جرّد رأس المال الرخيص الفن من رسالته؟

“خذ المال واهرب”: كيف جرّد رأس المال الرخيص الفن من رسالته؟

في سبتمبر/أيلول من عام 2021، طلب متحف كونستن للفن للحديث في الدنمارك من الفنّان ينس هانينغ (Jens Haaning) إعادة إنتاج اثنين من أعماله الفنية القديمة، وهما لوحتان تمثّلان قيمة الأجور السنوية في الدنمارك والنمسا، وذلك باستخدام أوراق نقدية حقيقية داخل إطارات زجاجية. سلّم المتحف الفنّان مبلغاً قدره 84 ألف دولار نقداً لوضعها في اللوحتين. لكن المُفاجأة كانت عند فتح الطرود يوم العرض؛ حيث اكتشف المسؤولون أنّ هانينغ قد أرسل إطارين فارغين تماماً. ولكي يأخذ الأمر بوصفه مزحة أطلق على عمله هذا اسم “خذ المال واهرب”، ليقول إنّ عدم وجود المال داخل الإطارين هو عملٌ فنيّ بحدِّ ذاته!

لكن هذين الإطارين الفارغين ليسا مجرّد مزحة طريفة، بل هما الرمز الأوضح والأشدّ تكثيفاً لتفريغ الفن من محتواه ورسالته؛ وهي الظاهرة التي تتفشى منذ عقود تحت ما يُسمّى بـ”الفن المعاصر”. لم يعُد الفن بهذا المعنى تعبيراً عن المهارة أو الحسّ الجمالي، أو البحث عن المعنى الإنساني العميق، بل أصبح يتغذّى على العبث والعدمية والربح السريع.

تتجلّى هذه المأساة في العديد من الأعمال المُعاصرة الأخرى التي حَظيت بترحاب غريب؛ كأن يقوم الفنان الإيطالي، ماوريتشيو كاتيلا، في عام 2019 بلصق موزة طازجة على جدار المعرض بشريط لاصق رمادي، وتسمية هذا العمل بـ “الكوميدي” ليُباع بمبلغ 120 ألف دولار! أو ما قدّمه الفنان الأميركي، لوتشيو فونتانا، عبر سلسلته حول “المفهوم الفضائي” (Spatial Concept)، حين اكتفى بقطع القماش بخط واحد أو شقوق بسيطة بالسكين ليُعتبر العمل تأمّلاً فكريّاً عظيماً. وقبلهم جميعاً، بلغت الصدمة أوجهها عندما قام الفنان الإيطالي، بييرو مانزوني، عام 1961 بتعبئة برازه في 90 علبة معدنية مُغلقة أطلق عليها اسماً استعراضياً: “براز الفنان” ليُباع الغرام الواحد منها بسعر يعادل غرام الذهب الخالص!

تُحيلنا هذه النماذج على انتقادات الفيلسوف الفرنسي جان بودريار الذي كان من أشرس نقّاد هذه الظاهرة في الفن المعاصر؛ إذ رأى أنّ هذا الفن قد دخل مرحلة “المؤامرة الفنية” حيث فقد الفن المعاصر أصالته وقدرته على إعادة ابتكار المعنى، وأصبح بدلاً من ذلك يعيد إنتاج الخواء والعدم، مُغلّفاً إياه بهالة زائفة من القيمة. لقد تحوّل الفن في تحليله إلى مجرّد “علامة” تجارية تُباع وتُشترى ضمن اقتصاد الرموز، كأن يشتري الزبون “القصة ويدّعي العمق والمعرفة الفنية ليتواطأ الفنان والمؤسسة الفنية والسوق في لعبة إيهام جماعية تذكّرنا بقصة “ثياب الإمبراطور الجديدة”.

ورغم محاولات نقّاد الفن إلباسها غطاءً من التفسيرات الفلسفية المُعقّدة تظلّ مثل أعمال كهذه فارغة حقيقةً (كلوحة هانينغ)، لا تعبّر في جوهرها إلا عن التردّي والخواء. يتساءل المرء هنا: كيف تحوّل الفن من أسلوب خلق وإبداع يتسامى بالروح إلى سوق للتفاهة الخالصة؟

إنّ الإجابة تكمن في آلية عمل السوق الحديثة؛ حيث يُعاد تشكيل القيمة لتخدم أغراضاً أخرى لا علاقة لها بالجماليات. يتم تشويه الفن بمثل أعمال كهذه، ويصبح الفن فيه مكاناً لتبييض الأموال ببيع اللوحات بأسعار فلكية لأثرياء لا ينظرون إليها غالباً. لا شك أنّ حكمنا هذا لا يطاول كلّ ما يندرج تحت اسم الفن المعاصر، ففيه الكثير من الإبداع، لكن وجود الكثير من الابتذال في أعمال ليست قليلة، هو في نهاية المطاف تشويه للفن لصالح رأس المال الرخيص مهما كبر.