تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الغناء اليمني في زمن العثمانيين.. هويَّة موسيقية صمدت وتجددت

الغناء اليمني في زمن العثمانيين.. هويَّة موسيقية صمدت وتجددت

د. بكيل محمد الكليبي

تجتذب الإنسانَ الأصواتُ الشجية، ويسعى إلى الاستماع إليها بكل جوارحه، خاصة إذا اختلجت روحه معها. فالموسيقى بطبيعتها، أينما كانت، تأسر القلب وتأخذ به بعيداً في سماء الخيال، لتزيح عن النفس ما بها من متاعب الحياة وصعوباتها. وهنا مكمن السعادة التي تبثها نبرات تلك النغمات الشجية التي تبعثها الأصوات الغنائية العذبة حين تصدح ألحانها، فتبهج الأرواح المثقلة بالهموم، وتحلق بها عالياً في فضاء المرح والسرور. جميعنا نتوق للهروب من واقعنا إلى عالم النغم الذي يزيح عنا التراكمات اليومية، وهذه الإزاحة لا يمكن أن تقوم بها سوى تلك المقطوعات المرصعة بدرر الألحان، والمعزوفة على أوتار الدان، لتغدو سيمفونية جميلة تسافر معها الروح عبر الزمن؛ يستعيد الإنسان من خلالها شريط ذكرياته الذي يحمل بين طياته حنيناً لما فقدناه وما نتوق إليه على الدوام، وإن تعذر ذلك، فهي تجعلنا على الأقل نعيش في صخب الأحلام اللطيفة التي لا نرغب أن تفارقنا ولو للحظة.

وزن لا يمكن تجاهله
إن الغناء وأصوات الأوتار والطرب الصادر من الآلات الموسيقية المتنوعة بألوانها ومقطوعاتها الشجية، هو الملاذ الذي نهرب إليه حين تحلق في سمائنا الغيوم الملبدة بالمآسي، ليقودنا نحو عالم من الخيال الصافي، ويذهب بأرواحنا المتعبة بعيداً حين نشعر بغربة الوطن.

لم يكن الغناء والمقطوعات الغنائية غائباً عن حياة الإنسان اليمني طوال العصور التاريخية المختلفة، بل كان حاضراً بقوة، وتجلى بصورة كبيرة في الإرث التراثي الضخم الذي تزخر به مكتبة الغناء اليمني. وقد تطورت صوره المعرفية بصورة مطردة، بفضل الحيوية والتجديد الصوري والبلاغي الذي تجسد في أنواع لا حصر لها من الألحان، شكلت في مجملها إضافة هائلة ورافداً حيوياً اختزلته آلاف المجلدات والكتب، حتى أصبح الغناء سمة بارزة لا يمكن طمسها، وعنواناً ناصع البياض اسمه “ألحان من التراث اليمني”. وقد منح ذلك الأغنية اليمنية وزناً لا يمكن تجاهله في عالم الغناء الصاخب بالتصحيف والتحريف والنسخ واللصق. فتظل الأغنية اليمنية جوهراً أصيلاً لا يمكن التحايل عليه مهما بلغت درجة السطو.

بل على العكس، حافظت الأغاني والألحان التراثية اليمنية على وجودها بقوة في الظروف والأوقات الصعبة، لا سيما في فترة الوجود العثماني الأول (1538-1635م) والثاني (1872-1918 م). ورغم أن العثمانيين كانوا عجماً، وكان بوسعهم بحكم السيطرة طمس هوية المجتمع، إلا أن ما يُحسب لهم أنهم أبقوا كل شيء على ما هو عليه، فلم يطمسوا معالم الغناء التراثي، بل شكّل وجودهم إضافة نوعية له، من خلال إدخال آلات موسيقية جديدة لم تكن قد دخلت اليمن من قبل، وربطوا العزف بها بالأغاني والألحان اليمنية الخالصة. والسؤال الجوهري: هل لعب العثمانيون دوراً في الحفاظ على الأغاني والألحان التراثية اليمنية؟ وهل ساعدوا في ازدهار الغناء وتشجيع الفنانين على إقامة الحفلات؟

تعديلات كبيرة على النوتة
كان اهتمام العثمانيين بالغناء والموسيقى مبكراً، سابقاً لقدومهم إلى اليمن، بعد أن تحولوا إلى إمبراطورية مترامية الأطراف. فالغناء والموسيقى مرتبطان بشكل متجذر بطقوسهم الدينية الروحية لدى المتصوفة، وكانت للعثمانيين نزعة صوفية في طقوسهم التي كانوا يقيمونها في التكايا المنتشرة في الأناضول آنذاك، ونقلوا مثل تلك التأثيرات إلى البلدان التي سيطروا عليها، ومنها اليمن.  كما أنه يُحسب للعثمانيين في اليمن أنهم أدخلوا تعديلات كبيرة على النوتة الموسيقية، وجعلوا إيقاعاتها أوسع لتستوعب الألحان التراثية اليمنية، أي أنهم كيّفوا الآلات الموسيقية لتصبح صالحة لعزف المقطوعات اليمنية، كزيادة عدد الأوتار التي تمنح الأغاني نغمتها المميزة التي تؤصل طابعها اليمني الخالص. ناهيك عن مساعدة بعضهم لعدد من الفنانين اليمنيين وتعليمهم العزف على آلات جديدة مثل آلة “القنبوس”، ويُعد الفنان اليمني جابر أحمد رزق أحد الذين تعلموا العزف عليها على يد العثمانيين، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل شجع العثمانيون الفن والفنانين ودعموهم في وقت كان الفنانون يلاقون فيه صعوبات ومضايقات داخل المجتمع باعتبار الغناء “حراماً”. فشكّل العثمانيون بيئة حاضنة لهم من خلال السماح لهم بإحياء حفلات غنائية صاخبة، كما وصفها الرحالة الإيطالي رينزو مانزوني في كتابه عن رحلته إلى اليمن.

تأثير حيدر آغا الرومي
يقول الدكتور محمد عبده غانم في كتابه شعر الغناء الصنعاني  أن الاتراك خلال وجودهم في اليمن في فترتين استطاعوا امتصاص الثقافة اليمنية والاسهام فيها ، وأن حيدر آغا وشعبان سليم  التركيان قد استطاعا أن يلعبا دوراً ذا بال في تطوير الموسيقى اليمنية، وهو ما يذهب إليه د ابراهيم أبو طالب في كتابه “ديوان حيدر آغا”، حين قال عنه:

” هو أبو أحمد حيدر آغا بن محمد الرومي (توفي سنة 1070هـ/1659م)، ويكنى أبا محمد – في بعض المصادر-، وهو أمير وشاعر وموسيقار، تركي الأصل، يمني الدار والوفاة. معظم شعره بالتركية، ولم يصلنا من شعره إلا القليل. وكان ميلاده بصنعاء من أب تركي، ويبدو أنه من الأتراك العثمانيين الذين تخلفوا بعد جلاء الحكم العثماني عن اليمن. ومعنى “آغا” بالرومية: نقيب العسكر. ذُكر من صفاته أنه كان أسمر، يلبس زي الجند، كثير الفكر والعزلة، عليه سكينة ووقار، وكان ظريفاً، وكانت له يد في الموسيقى، ويضرب العود لنفسه.

وقد كانت له مكانته الأدبية الرفيعة لدى معاصريه، الذين امتدحوا شعره كثيراً، فقالوا عنه إنه فاضل سبق في حلبة الشعر، وإنه كان شاعراً مفلقاً، وكان الأغلب على شعره الإجادة، وإنه من شعراء العصر المتنوعين في الملاحة والملح.”

شكّل الوجود العثماني في اليمن مرحلة مهمة من مراحل تطور الغناء التراثي، بسبب سماحهم للفنانين بإقامة الحفلات في المناسبات والأعراس في المدن اليمنية، فضلاً عن الحفلات الخاصة التي كان يحضرها كبار الضباط العثمانيين، ويصاحبها حضور راقصات من فتيات العبيد اللاتي كن يمتهنّ الرقص في المناسبات أو على شرف كبار الضيوف، ليس ذلك وحسب، بل وفّر العثمانيون الحماية للفنانين من الاعتداء عليهم من قبل رجال المقاومة الذين أهدروا دماءهم لتعاونهم معهم. وكان بعض الفنانين يفرون من صنعاء أثناء حصارها من المقاومة ليستقروا في مدينة الحديدة على ساحل البحر الأحمر، نظراً لاستقرار الوجود العثماني فيها، على عكس العاصمة صنعاء التي كانت تتعرض للحصار بين الفينة والأخرى.

يقول رفيق العكوري:
“كان فنّانو الأغنية الصنعانية (الموشح اليمني) يمارسون الغناء في الخفاء إلى أن حصلوا على بعض الحرية مع العصر العثماني الذي كان يتساهل نوعاً ما مع الموسيقى، والذي أدخل بعض الآلات الموسيقية العسكرية إلى اليمن؛ ممّا سمح لبعض الفنانين بممارسة الغناء بجزء من الحرية، أمثال الفنان الشيخ سعد عبدالله، والفنان الشيخ جابر رزق قبل أن يتحول إلى الصوفية. وبعد خروج الأتراك من اليمن وتولِّي الإمام يحيى، تم تجريم الغناء وملاحقة الفنانين، وكان كل من يمارس الغناء يتعرض للمكايدات والملاحقة والمضايقة من رجال الدولة والمتشددين دينيًّا وتُنشَر الإشاعات حول حياتهم الفاسدة، ممّا يعرضهم للتنكيل، فاضطر معظمهم إلى الفرار والهجرة إلى عدن، منهم: محمد الماس، أحمد العطاب، صالح العنتري، محمد شعبان”

نقلا عن منصة” امتداد”