تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » قراءة جديدة لتوماس كرو في لوحة “موت مارا”

قراءة جديدة لتوماس كرو في لوحة “موت مارا”

تُوجز لوحة “موت مارا”، النهاية العنيفة لأحد أبرز أيقونات الثورة الفرنسية، وأكثرها راديكالية، الصحافي والسياسي جان بول مارا، بتجميد الزمن في لحظة اغتياله، حيث يظهر مارا ممدّداً في حوض الاستحمام بعدما تلقّى طعنات شارلوت كورداي، يحاول أن يخطّ كلماته الأخيرة. أنجز الرسام جاك لويس دافيد هذا العمل عام 1793، وكان حينها رفيقاً لمارا في اللجنة الثورية، ومنذ ذلك الحين كُتب الكثير عن اللوحة على مدى أكثر من قرنين، إلى حدّ اعتبارها “بييتا” الثورة الفرنسية، حسب عدد من النقاد ومؤرّخي الفن، لما تحمله من شحنة رمزية وسياسية كثيفة.

في سياق هذا الإرث الواسع من القراءات والتأويلات، صدر حديثاً كتابُ مؤرّخ الفن والباحث الأميركي توماس كرو “جريمة في شارع مارا: قصة فن في قلب الثورة” (176 صفحة، منشورات جامعة برنستون الأميركية)، كمحاولة لإعادة مساءلة اللوحة خارج ثنائيات التمجيد أو الإدانة المباشرة. يقدّم كرو قراءة تجمع بين التحليل الفني والسياق التاريخي، ويقارب شخصية مارا بوصفه رمزاً للمضطهدين، ومصدراً متجدّداً للإلهام في مواجهة القمع.

دراسة تجمع بين أدوات علم التاريخ والسيميائية والطب الشرعي

يستخدم صاحب كتاب “نهوض عقد الستينيات” (1991) منهجية سيميائية مستوحاة من رولان بارت لتحليل اللوحة الشهيرة، مشيراً إلى أن غياب ظهور القاتلة في اللوحة يُبرز جسد مارا كمسيح معاصر، ومن هنا يعود إلى الطقوس الرثائية عند نحّاتي النهضة التي تُصوّر احتضان مريم العذراء لابنها. كذلك يرى كرو أن اللوحة مثّلت حضوراً مستمرّاً لمارا (“صديق الشعب” كما أُطلق عليه)، في لحظات المواجهة ضد السلطة عبر العصور، بدءاً من القرن التاسع عشر وصولاً إلى ستينيات القرن الماضي، خاصة بعد مسرحية الكاتب الألماني بيتر فايس عنه عام 1962 والتي حملت عنوان “مارا/ ساد”.

يستلهم الباحث عنوان كتابه من أدبيات التحرّي عند إدغار آلان بو، إذ يتعامل كرو مع اللوحة كما لو كانت مسرح جريمة يخضع للتشريح البصري والدلالي. في هذا السياق، يقترح أن دافيد لم يرسم جسداً واحداً لمارا، بل جسدين متوازيين: جسداً بيولوجياً هشّاً أنهكه المرض، وآخر رمزياً شبه مقدّس يجسّد “الشعب” بوصفه كياناً لا يفنى. ومن خلال مزج غير تقليدي بين السيرة الذاتية والنظرية النقدية ومقاربات الطبّ الشرعي، يوسّع كرو دائرة التأويل في قراءته للوحة. في المقابل، تعرّض كرو لنقد من بعض التيارات المحافظة وغيرها التي تعتبر رؤاه الفنية والسياسية منحازة إلى سردية اليسار التقليدي عن التاريخ، وتميل إلى تمجيد الفنون التي تحتفي بالمتمرّدين.

توماس كرو هو مؤرخ فن أميركي بارز (1948)، يشغل منصب أستاذ تاريخ الفن الحديث في معهد الفنون الجميلة بجامعة نيويورك. له العديد من المؤلفات التي تتناول الفن والثقافة عبر فترات مختلفة، منها: “الرسامون والحياة العامة في باريس خلال القرن الثامن عشر” (1985)، و”التقليد والتجديد في الفن الفرنسي الثوري” (1995)، و”المسيرة الطويلة للبوب: الفن والموسيقى والتصميم من 1930 إلى 1995″ (2014).