يلقي معرض “كائنات منسابة” للتشكيلية السعودية مهدية آل طالب والنحات العراقي هيثم حسن، الضوء على تجربة بصرية تقوم على مقاربة العلاقة الجدلية بين المادة الـمُصمتة والحركة الدؤوبة من خلال اشتغال تقني متوازن من حيث التوزيع اللوني أو الكتلي للأعمال المعروضة.
وتظهر في لوحات مهدية آل طالب في المعرض المقام بجاليري الأورفلي، طبقات لونية شفافة وحركات خطية منسابة، بينما تعكس منحوتات هيثم حسن بحثه المستمر في قدرة المادة على إيجاد توازنات بصرية.
ويطرح المعرض عبر الأعمال التي تنوعت بين اللوحات والمنحوتات حواراً بصرياً يفتح المجال أمام سؤال: كيف يمكن للمادة أن تنساب؟ وكيف يتحوّل البناء التشكيلي إلى تجربة حسّية تتجاوز الشكل المتعارف عليه؟
ومن هنا نأت الأعمال عن أن تكون مجرد عرض ساكن؛ إذ تم توزيعها بطريقة تتيح تفاعلاً بين الأسطح اللونية والكتل المجسّمة؛ ما أنشأ إيقاعاً بصرياًّ متدرّجاً، جاء نتيجةً للاشتغال التقني على التوازن بين الفراغ والكتلة مع حضور للخطوط المنكسرة والمنحنيات الناعمة التي تجعل المتلقي يشعر بحالة الانسياب التي يشير لها عنوان المعرض.
وتحتفي أعمال الفنانة ببناء الأسطح التصويرية الغنية بالطبقات اللونية؛ ما منح لوحاتها عمقاً بصرياً يتغيّر تبعاً لزاوية النظر لكل لوحة وللإضاءة المسلّطة عليها، إذ تستخدم الفنانة طبقات رقيقة من الأكريليك أو الألوان المختلطة، مع ترك آثار الفرشاة واضحة في بعض الأجزاء، بينما تختفي الآثار في مناطق أخرى خلف مساحات شفافة. وكأنها تتحرك على صعيد الأفكار حول معنى الحضور والغياب.
كما تعتمد آل طالب على تقنية الكشط وإعادة البناء، إذ تبدو بعض الأسطح لديها كما لو أنها تعرّضت لإزالة جزئية للّون قبل إعادة تغطيتها بطبقات جديدة، وتعد هذه التقنية من أكثر التقنيات التي تمنح السطح ملمساً خاصاً على صعيد الزمن، حيث يشعر المشاهد أن اللوحة تعرضت لمراحل عدة من التكوين التام ثم الهدم التام ثم إعادة البناء، وهذا الأسلوب لا يمنح اللوحة ملمساً خاصاًّ فحسب، بل يضيف أيضاً بعداً زمنياًّ، ويعكس فكرة أن الكائنات تدور في حالات متغيرة وليست ثابتة.
وتشتغل الفنانة على الخطوط الحرة التي تنساب عبر المساحة اللونية دون أن تتحول إلى عناصر شكلية واضحة المعالم، وهذه الخطوط، التي قد تبدو عفوية للوهلة الأولى، تُظهر تحكماً دقيقاً في الضغط على الفرشاة وسرعة الحركة؛ ما يعطي التوازن المطلوب بين الإحساس بالشكل والتحكم بالتقنية، وكثيراً ما تستخدم الفنانة في عملها أدوات غير تقليدية من الإسفنج والأدوات الفنية الحادة التي تقدم الشكل كما لو كان منحوتة ثنائية الأبعاد.
أما النحات هيثم حسن فيشتغل على الفهم العميق لطبيعة المادة، حيث يشكل منحوتاته الصلبة عبر حَنْيِها مستخدماً خامات معدنية أو مركّبة تعكس اهتمامه بالبنية الداخلية للعمل، وليس بمظهر العمل الخارجي فقط، وهكذا تظهر المنحوتات وكأنها في حالة حركة مستمرة رغم ثباتها الفيزيائي.
إلى جانب ذلك، تتميز منحوتات حسن بالتفريغ الكتلي؛ بمعنى أن الفنان يترك فراغات محسوبة داخل العمل تسمح للضوء بالمرور من خلالها، وهذا الاستخدام للفراغ لا يخفّف من ثقل المنحوتة وحسب، بل يمنحها إحساساً أيضاً؛ ما يجعلها أقرب إلى الانسيابية والليونة. كما يوظّف الفنان أسلوب الصقل الجزئي، حيث تبقى بعض الأسطح خشنة لتحتفظ بأثر العملية النحتية، بينما تُصقَل مناطق أخرى لتعكس الضوء بطريقة معينة تخدم الفكرة المراد طرحها.
لا يقدم المعرض الذي يستمر حتى 18 فبراير الجاري مجموعتين منفصلتين من الأعمال، وهذا ما يؤكده توزيع الأعمال في قاعات العرض، بما يُظهر العلاقة الوثيقة على صعيد الثيمة بين اللوحات والمنحوتات؛ فالأسطح اللونية المنبسطة في أعمال آل طالب تبدو وكأنها خلفية ديناميكية لمنحوتات حسن، بينما تستعير بعض لوحات الفنانة إحساساً نحتياًّ عبر الملمس والطبقات اللونية، وجميعها مستوحاة من تشكيلات لكائنات تدور في فلك فكرة الانسياب الهادئ.
