تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » «الفسيفساء»… تجليات روحانية تخطف الأبصار

«الفسيفساء»… تجليات روحانية تخطف الأبصار

يعتبر فن الفسيفساء واحداً من أبرز الفنون المعمارية التي طورها الإنسان، والذي أضفى لمحة جمالية ساحرة على واجهات المباني والأرضيات، في القصور وأماكن العبادة، حيث كان وجوده مرتبطاً بالمكانة الاجتماعية والقدسية الروحية، ويربط علماء الآثار ظهور هذا الفن بالحضارة السومرية، حيث استخدمت قطع الفخار والزجاج الصغيرة في تزيين الجدران لمعبد «الوركاء» في مدينة بابل، ثم مر هذا الفن بمراحل تطور في الحضارات اليونانية والرومانية والبيزنطية حتى الحضارة الإسلامية في العصر الأموي.

يمثل فن «الفسيفساء الإسلامي» واحداً من أصفى تجليات الروح البصرية في زخرفة المباني، فهو فن جمع بين الدقة في التصميم والتنفيذ، والخيال الروحي، والمهارة الحرفية، ليحول الجدران والقباب والأرضيات إلى لوحات فنية بإيقاع روحاني تعبر عنه الأشكال والألوان والنصوص المقدسة، في تكوينات هندسية ونباتية وخطية تتشابك فيها فنون الرسم والخط والهندسة المعمارية.

*جذور
نشأ فن الفسيفساء الإسلامي في بيئة تشبعت بموروث تأثر بالحضارات البيزنطية والرومانية والساسانية، فاستفاد من تقنياتها الفنية وموادها المتنوعة، لكنه في ذات الوقت أعاد توجيه البعد الدلالي والجمالي لهذا الفن بما يتوافق مع العقيدة الإسلامية، وقد شهد العهد الأموي تطوراً لافتاً في بلورة الرؤية الفنية لهذا الفن، حيث استُخدم في تزيين أرقى المباني السياسية والدينية للدولة خاصة في القدس ودمشق.

ويعد مسجد قبة الصخرة في القدس واحداً من أروع وأقدم الشواهد البصرية على هذا الفن بروحه الإسلامية، فقد استعان الأمويون بحرفيين على درجة عالية الإتقان، لصناعة فسيفساء زجاجية مذهبة تغطي الأشرطة العلوية الداخلية، تتكون من تيجان وأحجار كريمة وأوراق نباتية وأشكال زخرفية، كرموز للجنة والنعيم والعظمة الإلاهية، كذلك نجد في الجامع الأموي بدمشق لوحات فسيفسائية ذهبية تزين جدرانه، لتقدم مشاهد مدن وأنهار وعمارة تحيط بها الأشجار، تقرأ فنياً كتخييل بصري لجنات الخلد وتميز وتطور عمران الدولة الأموية.

في عهد الدولة العباسية، بدأت الفسيفساء تتحول تدريجياً من الفسيفساء الزجاجية الذهبية التقليدية إلى أنواع جديدة من الفسيفساء الخزفية أو الموزاييك، خاصة في دول آسيا الوسطى، حيث استبدلت مساحات كبيرة من الفسيفساء الزجاجية بكسوة كاملة للبناء ببلاطات خزفية ملونة ومقطعة في وحدات صغيرة تركب كفسيفساء، تندمج فيها الزخارف الهندسية والنباتية مع الخط الكوفي والثلث على أرضيات ملونة.

وقد شهد هذا الفن تطوراً مميزاً في الأندلس ودول المغرب، حيث أصبح يعتمد على تقطيع بلاطات خزفية ملونة في أشكال نجمية ومتعددة الأضلاع، تجمع في وحدات تغطي الجدران والنافورات والأرضيات في قرطبة وغرناطة وفاس، أما في العهد العثماني، فقد شهد هذا الفن تحويراً للتقاليد الفارسية والمملوكية من ناحية التنفيذ حيث جرى أستخدام البلاط الخزفي «بلاط أزنيق»، مع حضور واضح للعناصر النباتية والخطية.

*جماليات
تقوم جماليات الفسيفساء الإسلامية على ركائز الهندسة، والتجليات الروحانية والتأمل، مع تركيز على عدم التصوير والتجسيد للكائنات الحية في العمارة الدينية، وهذا دفع الفنان المسلم إلى تعميق الاشتغال على الأشكال الهندسية المجردة، مثل الدوائر، والمربعات، والمضلعات النجمية، والتكرار المتناظر، لتتشكل منها منظومات هندسية في غاية التعقيد والدقة والدهشة، حيث يتم بناء الوحدة الزخرفية غالباً، من شبكة خفية من التقسيمات الدائرية أو المربعة، ثم تستنبط منها النجوم والخطوط المتقاطعة، بحيث يمكن نظرياً مد النمط بلا نهاية، وهو ما يخلق انطباعاً بصرياً بالاستمرار إلى ما وراء حدود الجدار.

فن الفسيفساء الإسلامي يحمل بعداً روحياً لدى الفنان المسلم، فهو يحيل إلى صفات الكمال والتوحيد الإسلامي للخالق سبحانه وتعالى، ويجعل من الجدار سطحاً تتجلى فيه وحدة النسق الكوني على المستوى البصري، ليفتح مساحة فنية للتأمل والانغماس في إيقاع أشكال هندسية وتراكيب بصرية في غاية الروعة والجمال.

ولعل ما ميز الفسيفساء الإسلامية، هو حضور الخط العربي في كثير من الجداريات التي احتضنت كتابات قرآنية وأسماء الله الحسنى وشهادات الإيمان بأشكال كوفية أو ثلثية، كما في أشرطة قبة الصخرة، حيث كتبت الآيات بشريط كتابي فسيفسائي على خلفية ذهبية، وهذا الاجتماع بين النص واللون والشكل يخلق وحدة فنية معنوية، تتحول فيها الكلمة إلى مادة معمارية محسوسة، وتصبح الجدران نصاً مقروءاً بالعين واللسان.

من يتتبع جذور هذا الفن الجميل، من دمشق والقدس إلى قرطبة ثم إسطنبول، يرى أن فن الفسيفساء الإسلامي كان في جوهره لغة بصرية جمالية، أكثر من كونه زينة وتجميلاً معمارياً، فقد صاغت صورة الإسلام في التوحيد والنظام، يحلق فيها البصر في رحلة روحانية مدهشة، تفتح فيها قطع صغيرة من الزجاج والحجر والخزف العين والقلب على آفاق لا تحدها قبة ولا جدار.