تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » قصة فن الراي: من أزقة الغرب الجزائري إلى العالمية

قصة فن الراي: من أزقة الغرب الجزائري إلى العالمية

في أعماق الغرب الجزائري، حيث تتلاقى رياح الصحراء مع أنغام الشعب، ولد “فن الراي” كصوت خفي يعبر عن هموم الفقراء وأفراحهم. تخيلوا مدينة سيدي بلعباس في أوائل القرن العشرين، مدينة تتدفق فيها الحياة الريفية إلى الأحياء الشعبية، حيث يجتمع “الشيوخ” وهم الشعراء والمغنون البدو، ليغنوا آراءهم الجريئة بألحان بسيطة مستمدة من التراث المغاربي.

هناك، في سيدي بلعباس وجارتها وهران، نشأ “فن الراي” كتعبير عن “الرأي” الشخصي، وهو يعد مزيجاً من الغناء البدوي والأندلسي، يتناول مواضيع الحب الممنوع والفقر والهجرة من دون خوف أو تردد. ومع مرور الزمن، أصبح هذا الفن إرثاً مشتركاً جزائرياً مغربياً، بفضل تقارب الثقافات في منطقة المغرب العربي وتراث الغناء الشعبي المشترك، الذي يجمع بين الجزائر والمغرب في إيقاعات تعبر الحدود السياسية لتصبح رمزاً للوحدة المغاربية.

يعود أصل “فن الراي” إلى نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين، في بيئة الطبقة العاملة بسيدي بلعباس ووهران، حيث كان يُؤدى في الأفراح الشعبية والحانات الخفية. كان الشيوخ يستخدمون آلات تقليدية مثل: القصبة (الناي) والطبل والغيطة، ليغنوا قصائد باللهجة المحلية تتحدى التقاليد الاجتماعية.

لحظة تحول أولى جاءت مع “الشيخة ريميتي”، التي لُقبت بـ”أم الراي”، حيث غنت في عشرينيات القرن الماضي عن قضايا المرأة والحرية في مجتمع محافظ، مما جعلها أيقونة للتمرد النسوي. تخيلوا ريميتي تغني “هاك السرّة هاك” في زقاق مظلم، صوتها يتردد كصدى لآلام الهجرة والفقر، كانت تلك اللحظة بداية تحول.

الراي من غناء ريفي إلى صوت حضري جريء
مع ذلك، واجه “فن الراي” مجموعة من التحديات، ففي الجزائر، اعتبرته السلطات “غير أخلاقي” بسبب جرأته، فانتشر عبر الكاسيتات السرية. أما في المغرب، فقد امتص “فن الراي” تأثيرات الملحون والغناء الشعبي، مما جعله إرثاً مشتركاً، رغم النزاعات اللاحقة حول أصله، كما حدث عند تسجيله في اليونسكو كتراث جزائري عام 2022، إلا أن الثقافة المغاربية جعلته يتجاوز الحدود.

التحولات الكبرى: من الآلات التقليدية إلى الإيقاعات الحديثة
في السبعينيات، شهد “فن الراي” لحظة تحول دراماتيكية مع دخول الآلات الكهربائية، مثل: الجيتار والسينثسايزر، مستوحى من البوب والريغي. هنا برز جيل “الشباب” مثل: الشاب خالد، الذي ولد في وهران لكنه تأثر بتراث سيدي بلعباس، والشاب مامي من سعيدة. كان خالد يغني في الحفلات الشعبية، وفي لحظة مصيرية عام 1985، هاجر إلى فرنسا هرباً من الاضطرابات، حيث مزج الراي بالموسيقى الغربية. أما في الثمانينيات، فقد أدت الهجرة الجزائرية إلى فرنسا إلى انتشار الراي في أوروبا، حيث أصبح صوت الشتات المغاربي.

أما فترة التسعينيات فكانت عقداً من التحديات والانتصارات، خلال الحرب الأهلية الجزائرية، اغتيل الشاب حسني عام 1994 لجرأته، مما جعل الراي رمزاً للتمرد. لكن في الوقت نفسه، أطلق الشاب خالد ألبومه عام 1992، ونجحت منه أغنية “ديدي” التي مزجت الراي بالبوب، لتصبح Hit عالمي، حسب إحصائيات يوتيوب، إذ بلغت مشاهدات فيديو “ديدي” أكثر من 5 ملايين في إحدى النسخ الشهيرة، بينما تجاوزت الاستماعات على المنصات ملايين أخرى؛ ما فتح أبواب العالم لـ”فن الراي”.

القمة العالمية: من “عائشة” إلى “السوبر بول”

لحظة تحول أخرى جاءت عام 1996 مع أغنية “عائشة” للشاب خالد، التي كتبها الفرنسي جان جاك غولدمان، وأصبحت ثيمة رومانسية في الشرق الأوسط وأوروبا، حيث بلغت مشاهداتها على يوتيوب ملايين، واستماعاتها على سبوتيفاي حوالي 250 مليون، مما جعل خالد “ملك الراي” يغزو القلوب من المغرب إلى الهند.

أما الشاب مامي، فقد حقق قمة الشهرة عام 1999 بتعاونه مع ستينغ في “وردة الصحراء” (Desert Rose)، التي مزجت الراي بالروك. وكانت لحظة سحرية عندما غنى مامي بالعربية وسط ألحان ستينغ، لتصبح الأغنية Hit على بيلبورد. بلغت مشاهدات الفيديو على يوتيوب أكثر من 553 مليون، واستماعاتها على سبوتيفاي 169 مليون. الذروة كانت في 28 يناير 2001، خلال السوبر بول الـ35 في تامبا، فلوريدا، حيث وقف مامي إلى جانب ستينغ أمام 94 مليون مشاهد أمريكي، يغنيان “وردة الصحراء” في عرض حي مذهل لحظة تحول جعلت “فن الراي” يدخل تاريخ الرياضة والموسيقى الأمريكية، من أزقة سيدي بلعباس إلى أكبر ملعب في العالم.

الراي اليوم: إرث يتجدد ويتحدى
اليوم، يستمر “فن الراي” في التطور مع جيل جديد، مثل: سولكينغ ودي جي سنايك، الذين يمزجونه بالهيب هوب والإلكترونيك، محافظين على جوهره المغاربي. وعلى الرغم من النزاعات بين الجزائر والمغرب حول ملكيته، إلا أنه يظل رمزاً للتقارب الثقافي، يلهم الفنانين العالميين ويروي قصص الشعوب. من صوت خفي في أزقة سيدي بلعباس إلى أنغام تتردد في السوبر بول، يثبت الراي أن الفن الحقيقي يتجاوز الحدود، يوحي بالأمل ويحتفل بالحياة. فهل جربتم الرقص على إيقاعه؟ إنه دعوة للحرية!