ثمة فنانون يمكن قراءة تجربتهم من خلال أسلوب محدد، وفنانون آخرون لا تكفيهم هذه المقاربة؛ لأن تجربتهم تشكلت من تراكم طويل من الممارسة والمشاهدة والتجريب والتحوّل من الواقع لفوق الواقع ثم للتجريد والتعبير اللوني والشكلي. ويأتي الفنان اليمني صادق غالب ضمن الفئة الأخرى؛ فقد امتدت تجربته لأكثر من أربعة عقود، عاش خلالها تحولات الفن التشكيلي العربي والسعودي، وشارك في معارض وملتقيات وورش عديدة داخل المملكة وخارجها زامل فيها جيل الرواد ورموز التشكيل العربي، حتى أصبح حضوره جزءاً من الذاكرة التشكيلية في جدة.
ما يلفت في أعمال غالب، هو هذا التنوع بين الرسم الواقعي والبورتريه والموضوع الشعبي والسريالي والتجريدي. فهو لا يتعامل مع الرسم الواقعي بوصفه نقيضاً للتجريد، وإنما يبدو أن كليهما بالنسبة إليه وسيلتان مختلفتان لقراءة العالم. وهذا ما يمنح تجربته مرونة واضحة، ويجعل اللون والخط أكثر أهمية من التصنيف المدرسي للعمل.
في أعماله ذات الصلة بالبيئة السعودية، تظهر الوجوه والمشاهد الشعبية ومفردات المكان بوصفها أكثر من موضوعات للرسم؛ إنها محاولة لالتقاط الذاكرة الاجتماعية في لحظة تحولها. وقد ارتبط اسمه بمشاركات عديدة في المناسبات الوطنية والجنادرية وفعاليات فنية استلهمت البيئة والعادات والتقاليد السعودية. كما وثقت الصحافة مشاركته في فعاليات تناولت البيئة السعودية والذاكرة الوطنية بصياغات لونية.
وهنا تبرز أهمية تجربة غالب في رسم الملوك والأمراء والشخصيات الاجتماعية. فالبورتريه، في هذه الحالة، لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره بحثاً عن التشابه الخارجي فحسب؛ فالوجه يحمل مكانة صاحبه، وزمنه، وذاكرة المجتمع حوله. وقد شارك غالب في عمل بورتريه للملك عبدالله بن عبدالعزيز بمناسبة يوم البيعة، كما ارتبطت تجربته بأعمال وشخصيات ذات حضور اجتماعي ورسمي.
إن قيمة هذا النوع من الرسم تكمن في المسافة بين التوثيق والفن. فالصورة التي تسجل الملامح تحفظ شكل الشخصية، أما اللوحة الجيدة فتحاول أن تحفظ شيئاً من حضورها الإنساني والرمزي أيضاً.
أما اللون عند غالب، فلا يبدو مجرد طبقة جمالية فوق الموضوع، وإنما أحد العناصر الأساسية في بناء اللوحة ولغة حوار بصري روحي. تتجاور المساحات اللونية القوية مع الخطوط والتفاصيل، وتظهر أحياناً نزعة إلى الاختزال وإعادة تنظيم الواقع في بنية أكثر إيقاعاً. وفي بعض الأعمال تتحول العناصر الشعبية والمعمارية والإنسانية إلى إشارات بصرية، بحيث يصبح التراث مادة لإعادة التكوين لا مجرد زينة.
وهنا يمكن القول إن غالب لا يرسم الإنسان والتراث فقط، بل يرسم ذاكرة التراث وروح الإنسان. وهذه نقطة جوهرية؛ لأن استدعاء الأزياء أو العمارة أو العادات لا يصبح فنًا معاصرًا لمجرد ظهوره في اللوحة. القيمة تبدأ عندما يعيد الفنان اكتشاف منطقها البصري: الإيقاع، اللون، الحركة، التوازن، بساطة ورصانة التكوين والعلاقة بالإنسان والمكان.
ومن هذه الزاوية، تبدو جدة في تجربة غالب أكثر من مكان للإقامة والعمل؛ إنها مختبر بصري تداخلت فيه ذاكرته اليمنية مع البيئة السعودية، ومعايشته لأجيال متعددة من الفنانين. وقد شارك في معارض جدة ومؤسساتها الفنية منذ وقت مبكر، إلى جانب حضوره في معارض الفن السعودي المعاصر ولوحة في كل بيت وغيرها.
بعد أربعة عقود، لا تكمن أهمية صادق غالب في طول مسيرته وحده، بل في هذه القدرة على الانتقال بين الإنسان والبيئة، الواقعي والتجريدي، الشخصي والاجتماعي، اللون والرمز.
إنها تجربة لا تبحث عن أسلوب مغلق بقدر ما تبحث عن لغة؛ لغة تستطيع أن ترى في ذاكرة وتمع، وفي اللون ذاكرة مكان، وفي اللوحة كلها أثراً بصرياً لزمن لا ينبغي أن يختفي.
وهنا تحديداً تكمن جماليات غالب أنه لا يرسم ما تراه العين فقط، وإنما يسعى ليرسم ما يبقى منها في الذاكرة لتلصق في الروح.
نقلا عن جريدة “الرياض”
