تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » علي الأسدي؛ الفنان المُغيَّب.. ارتبطت أعماله بذاكرة جيل

علي الأسدي؛ الفنان المُغيَّب.. ارتبطت أعماله بذاكرة جيل

علي الأسدي؛ الفنان المُغيَّب.. ارتبطت أعماله بذاكرة جيل

 

زيد الفقيه
حين عزمتُ على الكتابة عن هذه الشخصية الفنيِّة، كنت أتسلّح بما اختزنته ذاكرتي من ألحان بديعة، وطنية منها وزراعية، تلك الألحان بقيتُ سنوات طويلة لا أعرف، مثل كثيرين، مَن أبدعها، المهم أننا كبرنا على سماعها فقد كانت تُطربنا وتنتشي بها أرواحنا، ولم يخطر ببالي -حينها- أنّ (علي أحمد الأسدي) مُلَحِّنُ تلك الأغاني، ولم أكن أعرف أيضًا أنه شاعر، وقاصّ، وكاتب مسرحي، ومترجم من وإلى اللغة الإنجليزية، ولم تتَح لي معرفة ذلك إلَّا حين بدأت البحث لمعرفة إبداعاته لغرض الكتابة عنه، فوجدتُ أنّ مِن قصائده الغنائية: يا بلادي، وخُبر المحارب، بغداد، نجم سبأ، يا عيد وحدتي، هي القدس، صنعاء اليمن يا مزهرة بلادي، وله أوبريت غنائي عن الوحدة بعنوان “البشارة” وغيرها.

ومن أشعاره في قصيدة (خُبر المحارب)، قوله:

لي في الهوى ما مع الأحباب خُبر المحارب

قلبي نوى يصطلي ويغوص عمق التجارب

تجارب الحُبّ كم فيها مُوَدِّف وحانِب

في بحر ما له طرف عميق من كل جانب

ومن قصيدة (صنعاء اليمن يا مزهرة بلادي)، قوله:

صنعاء اليمن يا مزهرة بلادي يا لحن في عقلي وفي فؤادي

عدن عدن حبّي غاية مرادي من أجلها غنّيت في كل وادي

في هذه القصيدة ذكر فيها كل محافظات الجمهورية، ومنها:

عمران فيها الخير والبشائر أما تعز فيها أحلى المناظر

مِن حَجَّة الشمّاء إلى الحديدة ومن أغاني الجوف في يوم عيده

وقد صدرت له مجموعة قصصية بعنوان (الفلك البعيد) عام 2000، وصدرت له مجموعتان قصصيتان للأطفال، هما: (الخير للجميع)، و(ميمونة)، كما كتب للمسرح ست مسرحيات، هي: (آدم الثاني عشر، الأسباب، اليرقة، ضاعت الصعْبة، العقل مال، مبخوت الحراف)، كما ترجم عددًا من القصائد الحُمينيّة (شعر الغناء الصنعاني) إلى اللغة الإنجليزية، وترجم من الإنجليزية إلى العربية عددًا من القصص القصيرة والمقالات الأدبية، ولعلّ كثيرًا ممّن يعرفون الأستاذ الأسدي لا يعرفون أنّه كاتب وشاعر، ويعرفونه موسيقيًّا فقط، ومن ثَمَّ سنبسط القول هنا عن أهمّ وأشهر إبداعاته الموسيقية، فقد بدأ بالتلحين منذ كان طالبًا في القاهرة، قبل أن تظهر ألحانه وأغانيه في التلفزيون، حينما وقع في يده ديوان (فوق الجبل) للشاعر والكاتب وعالم الآثار مطهر بن علي الإرياني، وأعجب بأوبريت (هيّا نغنّي للمواسم) الذي شعر الملحن أنّه نابع من عمق الفلّاح اليمني، وأنّه صورة جوهرية تعكس وجه اليمن وحضارته التي قامت أساسًا على الزراعة. ومن كلمات هذا الأوبريت، قوله:

عِمْ صباحًا يا موطني عمْ صباحًا أيُّها الموطنُ الأبيّ السخيُّ

عمْ صباحـًا “تهائمـًا” و”جبـالًا” و”سهـولًا” جمالهـا سُندسـيّ

**********

من “زبيد” لا “عدن” لا “أرحب” و”صعدة” و”صرواح”

تشهد أرض اليمن في مطلع الموســم أفــراح

عـاد عـبر الزمن “نيـسـان” مـــن بعـد مــا راح

راعد الصيف حـن والخـير جــاء بارقـــــه لاح

يـا شــويق الحجـن يــا سعد مــن كــان فـلاح

كان أول ظهور لهذا الأوبريت في ثمانينيات القرن الماضي، لكنه أحدثَ نقلةً نوعية في توزيعه الموسيقيّ وأسلوب تقديمه، كما لحّن لمطهر الإرياني أوبريت “سَدّ وادي سبأ”. ومن كلمات هذا الأوبريت، قوله:

صوت جاء من “سبأ” سماع يا أهل العزايِم

من” سبأ” لا “جبا” لا “الطود” لا “أرض التهايم”

قال لمَّا هَتَفْ: وادي “ذنَــة” نهـر جـارف

لـــو رفعْنا الـــصّدف ردَّ الفيــافي مخـــارف

البِـــدار الـــبدار والـــــشعب كلّـــه تهـيَّـــــأ

واســــــتمع للــــشِّعار وقـــال مَرْحَـــب وحـيَّــــا

الفنان علي الأسدي هو أول من أدخل آلة المزمار والطَّاسة (المَرْفَع) على النوتة الموسيقية في اليمن لأول مرة، في أغنية من كلمات صالح السعيدي، هي: (غنّيت هيَّا طير غنِّ معي)، كما لحّن للسعيدي (يا فرح يا سلا) ضمن أوبريت (وطن النهار)، وكان المزمار والطاسة لازمة من لوازم لحن هذا الأوبريت، فزاد اللحن جمالًا، وكلمات السعيدي في الأوبريت تقول:

يا فرح يا سلا طلَّ يوم الأصيل

يا بلادي هلا بالصباح الجميل

أعلني للملا انتهى المستحيل

مرحبا مسهلا بالطموح النبيل

يا شباب البلاد انطلق للحياةْ

نجم أيلول عاد بالنماء والرفاه

قد لمع في النجاد قد ثبت في سماه

يا فرح يا سلا طلّ يوم الأصيل

كما لحَّن (توقدي توقدي)، من كلمات الشاعر عبدالكريم مثنى مصلح، هذه المغنَّاة اشتهرت عندما غنتها فرقة (جامعة صنعاء) التي تكوَّنت عندما كان الدكتور المقالح رئيسًا لجامعة صنعاء، وكانت من أهم الفرق الموسيقية في اليمن، وهذه بعض كلماتها:

توقَّدي توقَّدي مشاعل الفخار

فقيدنا محطَّمٌ وليلنا نهار

وقد هوَى سَجّانُنا ملطخًا بالعار

وفرّقت جُمُوعُنا بزحفنا الحصار

تعيد للأوطـان حضارة الأزمان

وتصنع الخلود للإنسان

فكلُّنا ثوّار وكلُّنا أحرار

وقد استلهم ألحان تلك الأعمال من التراث الإيقاعي الصوتيّ للفلاح اليمني منذ فجر التاريخ، وكان آخر هذه الأعمال اللوحة الاستعراضية الغنائية الشعبية:

(شيخ الطيور) من كلمات الشاعر الوزير حسن أحمد اللوزي، نختار للقارئ الكريم مطالع مقاطعها؛ نظرًا لطولها واختلاف مقاطعها والاقتباسات التراثية فيها:

يا اللهْ رضاك شيخُ الطيور بَكَّر وأنا مراعي للدقيق الأخضر

يومَ أبدعــه ربِّي اعْتَنَى وصـوَّر وشكَّلـه قُمري بديـع أحــوَر

سَمَّـــعْتَني صـــوتَك يـا ذا المُغنِّي صوتَك جميل وأنت قريب منِّي

كانِّـه غُنَى قلبـــــي وصــوت فنّــي وانَّ الكــــلام كُلِّــــه كـــلام عنِّي

* * *

خِلِّي سَرَح والـدمع في عيــوني لــو يبْسرُوا حــالي لاَ يرحَمـوني

مجنـــون بـه مُغــــرَم وزيَّـــــــدوني شَـــلّوا عــــليّ رُوحــــي وفَلَّتُـــوني

* * *

ما نزلتَـــــك بـــــيرَ العــــزب بــين الـشموس الحـاميةْ

أو شي معك مقْـضَى غرض والّا بنَيَّـــــــــــــــــــــــة حــــاليـةْ

* * *

صَـــوْن المحبَّـة قـد وجـــب في شرع كـلِّ العاشـــــــقينْ

والخِــلّ مــــــا دام احتجــــــب مَــا بش ســوى الله المعــينْ

* * *

يا زبيب الجبل يا رازقي يا مُجَــوَّل زلَّتَك زَلَّتك وانَّ المحبة لـــلأولْ

من عِشِق غَير خِلِّه واخْتَلَف أو تبدَّل عاش عمْــره مُضَيّع ميِّتَ القلبِ مُختلْ

* * *

مَـــــنْ غَرامـــــــــي غَرامـــــــــهْ تدفعـــــــه روحــــــــــــــي اضْـــــــــــعافْ

مَــــن مَرامـــــــــــي مَرامـــــــــهْ كيـف نعـــــيش خِــلِّي انــــــصافْ

* * *

والله انّك حبيبي لو تقـوم القيامـةْ لو تزحْـزح جبل عَيـبان وينـزل تهامَـة

وان تعجَّل قضائي قبلَ موعد ختامةْ رازِق الحُبِّ يكْتُب لي بطول الإقامةْ

إذن، من خلال هذه الأعمال التي تخيَّرناها من كثير من أعماله، نكتشف أنّنا أمام فنّان مهمّش، لم يأخذ حقّه في الظهور والتكريم والتقدير الرسمي والشعبي.

نقلاً عن منصة “خيوط”