تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » غناء 2025: ملامح مُستعادة من زمن مضى

غناء 2025: ملامح مُستعادة من زمن مضى


جمال حسن

قبل عدة أشهر، استهلّ المغني محمد منير نشاطه الصيفي بأغنية “ملامحنا”. ومن عنوانها، تبدو عودةً إلى التفتيش عن الملامح، أو ما تبقى منها، تلك التي غاصت وسط ركام الزمن. لم يكن منير العائد الوحيد إلى مسرح الغناء بعد توقّف، لكنه كان أحد أبرز الراجعين من زمن يُستعاد بكثير من الحنين.
كان آخر الملتحقين من نجوم الثمانينيات والتسعينيات المغني المصري مصطفى قمر، بينما تخلّف محمد فؤاد مرّة أخرى عن إصدار ألبومه المنتظر الذي شهد تحوّلاً دراماتيكياً بعد انتقال أغانيه فجأة إلى مغني المهرجانات عمر كمال. وهذا الأخير بدا، صوتاً وأسلوباً، كما لو أنه يكرّس ملامح فؤاد نفسه؛ حتى تعجز الأذن، قبل العين، عن تمييز الفارق بين الأصل ووافد المهرجانات إلى البوب في تجربته الأولى. وكما يبدو، فإن صناعة الأغنية العربية، ولو صدفةً، باتت تلوذ بملامحها القديمة، ومن يتخلّف عنها تُصنع له بدائل.

من ناحية أخرى، يتوّج الدويتو الذي جمع بين محمد منير وويجز منذ أيام تلك الملامح، كأنه جسر بين جيلين؛ إذ يستهل فيديو أغنية “كلام فرسان” بحوار بينهما، يبدأه منير مرحِّباً بويجز، مؤكداً أن الأخير يذكّره ببداياته، أي بما يحمله من تطلّع إلى موسيقى جديدة. الأغنية تحمل مزيجاً من أسلوب ويجز الذي يتقاطع فيه الراب مع البوب الشعبي المصري، مع شذرات من ملامح منير: نكهة أحمد منيب، والثيمات الصوتية، وطابع الدندنة الذي يستبدل اللحن الآلي بسمات منير الصوتية، وصولاً إلى طابع الناي الذي يعيد إلى الذاكرة دويتو منير وأنوشكا “بلاد طيبة”. فيما يحضر ويجز بصوته المعالج بالمؤثرات.
وبالعودة إلى “ملامحنا”، باكورة عودة منير، فإنها تتساءل عن الملامح: ما تغيّر منها وما بقي، وإن كانت على هيئة صور. أما لحن أحمد زعيم وتوزيع عمرو فتاح فيبدو محمولاً بجناحي “يا طير يا طاير” و”ربك لما يريد” من دون أن ينسخهما.

في أغنيته الأخرى “عمر الزمن”، يرسم منير صورة شيخوخة لزمن لا تكتمل فيه الحواديت، منطلقاً من ثيمات سبق أن عالجها: “في دايرة الرحلة”، أو بإعادة أغنية وردة “حكايتي مع الزمن”، أو باستعارة الأغنية الجزائرية “مبارح كان عمري عشرين”. إنه يستعيد شكوكه المستمرة، متخذاً المنطقة الرمادية في “بين البينين”، ويتساءل بصوت ثابت عن الفرح: “ليه عمره قصير؟”. ويختم عودته بسينغل “ضي”.

منير يستحضر ملامح أقرب إلى روح التسعينيات في أغنية “أنا الذي”، خصوصاً مع الملحن عصام كاريكا، وهو ثاني تعاون بينهما منذ “من أول لمسة” عام 1996. ونجد حلقات وصل مع أغانيه السابقة؛ ففي “علي صوتك بالغنا” نجد رقصته “أرقص غصب عني أرقص”، وفي لحن كاريكا يبدو كما لو أنه يسترجع ذلك مؤكداً جوهر حدوتته: “أنا الذي غنى وطبل”. أما صلته بالوقت الحاضر، فتتمثّل بحضور صوت الأكورديون الفرنسي في بعض التراكات.

وقد يبدو أنه يروي فصول غنائه الأخيرة، لكنه في “بين البينين” (ألحان عزيز شافعي، أواخر صيف العام الفائت) يؤكد انتماءه إلى الزمن المستمر؛ إذ يغني: “في الرقص أنا إيدي ع الطبلة”، ثم يستدرك بنبرة شكوكية يعززها مقام النهاوند: “طب مين يقولّي أنا مين؟”. لا يمكن الجزم إن كان الموزّع أسامة الهندي قد قصد خلق تجاوب مع هذا التساؤل عبر آلة الساكس تينور التي تلمس روح البلوز وتعيد إلى أذهاننا أغاني منير مطلع الألفية، أو أن ذلك جاء مصادفة.

وخلافاً لشكوك منير، يستهل حميد الشاعري إصداراته الصيفية بأغنية “ده بجد”، غير معترف بتأثّر الملامح بالأيام، إذ يبني لحنه بكوردات غيتار، مستعيناً بمقام النهاوند وصوت يخلو من التعرجات؛ فأسلوب حميد الشاعري الغنائي هو نفسه، مصحوباً بمؤثرات تضخّم صوته أو ترسم له صدى. غير أن المختلف هو تخليه عن حضوره موزّعاً موسيقياً، ذاك الذي شكّل انفجار “موسيقى الجيل” أواخر الثمانينيات؛ فيستعيد ملامحه عبر أصوات جديدة، معتمداً على ملحن وموزّع شابين. ربما تنبّه صاحب “يا رتني نسمة صبا” إلى تقادم أسلوبه، فأراد أن يظهر مزيج الثبات من خلال صوته، لا توزيعه. كانت الأغنية، رغم رتمها الهادئ، تضج بالحنين؛ لا لقصدية في إثارة الحنين، بل لتوافق تلقائي مع أسلوب صناعة الموسيقى اليوم: استحداث أفكار سابقة بطرق مختلفة، عبر تغيير ملامح الكولاج واستعاراته داخل قالب بسيط وديكور موسيقي محدود العناصر.

يعزز الشاعري تلك الملامح الثابتة في “تيجو نفرفش”، بأصوات كورال مألوفة تذكّرنا بكورال “قولي أحبك” لكاظم الساهر، مع اختلاف أن أغنية كاظم كلاسيكية، بينما أغنية الشاعري تتخذ أسلوب البوب الغربي، مصحوبة بطبلة مقسوم تعيدنا إلى مقسوم الشاعري في التسعينيات. خلافاً لأغنيته الأولى، تبدو هذه أنشط وأسرع وأكثف إيقاعياً، مع رتوش من الديسكو والفانك، فيما بقيت “ده بجد” عنواناً أكثر وضوحاً للحنين.

ومن بين العائدين، يأتي مصطفى قمر بأغانٍ صدرت قبل أسابيع. وبعيداً عن عدد المشاهدات، نجح قمر في حضور يلائم مسيرته نجماً بارزاً في البوب المصري، خصوصاً في أغنية “حبيت”. تحمل الأغنية حنيناً لثلاث ذروات: مصطفى قمر في ذروة نجوميته، وعمرو مصطفى في لحظة تألقه، والبوب المصري حين كان الألبوم الكلاسيكي (الكاسيت والسي دي) يحكم المشهد. وتظهر تلك الملامح بوضوح في لحن الكوبليه. يستحضر قمر ملامحه المألوفة؛ فالطابع اللحني يعود إلى بداية الألفية، مع حضور موسيقى التسعينيات: ضربات الغيتار المتقطعة داخل الجملة الموسيقية، في كليشيهات سمعناها من قبل في “السود عيونه” و”الليلة دوب”.

لا يختلف الأمر كثيراً بين هؤلاء النجوم في إعادة بناء تذكاراتهم، لكن قمر يحاول استدراج مفردات جديدة توافق إيقاع اليوم، خصوصاً في الكلمات أكثر من الموسيقى. ففي “اللي كبّرناه” تحضر مفردات مثل “الشات” و”وسايط”، تجسيداً لواقع باتت علاقاته تدور عبر وسائط الإنترنت وتطبيقاته. لكنها في النهاية مفردات تُطعّم المواضيع التقليدية نفسها بكلمات جديدة، فتظل الأغاني كما لو أنها مواقف درامية بسيطة.

هل تقتصر العودة على الأسماء الرجالية؟ لا، فبين العائدين تبرز النجمة اللبنانية نوال الزغبي، التي عادت بتذكاراتها الخاصة بعد توقف قصير لأسباب صحية. وقدمت ألبوماً يتقاسم الأغاني المصرية واللبنانية، كما اعتدنا منها. يتجلى هذا التذكّر بوضوح في أغنية “وقت الشدة”، التي تحمل لمحات من “ما أندم عليك”، لكن بإيقاع أبطأ وحركة أقل.

وإذا أخذنا نظرة عامة على صناعة الموسيقى اليوم، سنجد أن تذكارات هؤلاء ليست، في الأساس، عن قصد مباشر؛ بل تُمليها عليهم خياراتهم، كما أنها الصيغة السائدة في الموسيقى حالياً: صناعة تنقّب في ذاكرتها وتبني نجاحاتها على ما تسترجعه لينال استحسان الجمهور. ولا يتوقف الأمر عند خلق متشابهات من الأغاني والأساليب، بل يمتد إلى خلق متشابهات من الفنانين أنفسهم؛ إذ لم تعترف الصناعة بغياب محمد فؤاد، فتسرّبت له أغنية “في كل الأماكن” بصوت يبدو واضح المعالجة، كما لو أن هناك من يحلّ محله. وإذا سمّينا ذلك في السينما دوبلير، فهو في الموسيقى محاولة لملء غياب. ومع الذكاء الاصطناعي سننتظر “إحياءً للموتى”: وقد يكون لهم جمهور أكبر من الأحياء، لا لفنّهم بل لإحيائهم. ستُحضر الموسيقى وسط توابيت تعود من الحياة الأخرى. أما الحنين الذي عالجه هؤلاء، فهو حنين جيل عاش زمنه، لا تشعر به أجيال لم تعايشه.

نقلا عن موقع العربي الجديد