تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الأسطورة كما يتخيلها نزير الطنبولي في لوحاته

الأسطورة كما يتخيلها نزير الطنبولي في لوحاته

الأسطورة كما يتخيلها نزير الطنبولي في لوحاته

 

في واحدة من لوحاته المعروضة في قاعة بيكاسو للفنون في القاهرة، يرسم الفنان المصري نزير الطنبولي امرأة تحتضن كائناً نصف بشري، أو بالأحرى نصفه رجل والنصف الآخر على هيئة ثور. يستدعي الثور هنا معان كثيرة كالقوة والخصوبة والسيطرة، ويشتبك مع عشرات الإحالات المشابهة في تاريخ الفن، من ثور بابل المجنح إلى ثور بيكاسو في لوحته الأشهر غورنيكا. تستند لوحة الطنبولي كذلك إلى هذا الحضور البارز للأسطورة في المخيلة البشرية، إذ تتوحد هيئة هذا الكائن في اللوحة مع المينوتور، وهو مخلوق نصفه رجل ونصفه الآخر ثور في الميثولوجيا اليونانية، كما تلامس اللوحة شيئاً من السردية الخرافية في قصة الجميلة والوحش.

في هذا العمل تبدو الفتاة ذات الرداء الأبيض الناصع مستسلمة لمشاعرها، بينما يظهر الثور في دور العاشق. يؤكد الفنان على هذه الأجواء الرومانسية بالعديد من العناصر المحيطة، فهنا أشجار مورقة وطيور بيضاء تحيط بالعاشقين. يمعن الفنان في إبراز عنصريه الرئيسيين: الكائن الخرافي والمرأة، فيرسمهما في صدارة المشهد ويهمش بقية العناصرالمحيطة بهما فتبدو أشبه بالزخارف في رسوم المنمنمات.الجماليات الأسطورية (خدمة املعرض)

هي أجواء خيالية مثل غالب أعمال الفنان نزير الطنبولي، إذ تزخر أعماله بالعديد من هذه الكائنات العجيبة، التي تجمع بين الحلم والأسطورة. يرسم الطنبولي أشخاصاً يمتطون أحصنة خشبية، وكائنات مضيئة تفر من داخل المرايا والدواليب وتحيط بأبطال اللوحة، فكأن عناصر أحلامهم قد تجسدت أمامهم. تمثل هذه العناصر مفردات للغة بصرية يستعين بها الفنان في بناء أعماله. تتكرر هذه المفردات وتُعاود الظهور في لوحات الطنبولي، كما تتشكل عناصره الرئيسية غالباً في ثنائيات تجمع بين الرجل والمرأة أو بين الهيئة البشرية والحيوانية.

في معرضه القاهري المستمر حتى نهاية هذا الشهر، يمكننا تبين هذه السمات الرئيسية التي تشكل ملامح تجربة الفنان. بعض هذه الأعمال مرسوم بألوان الأكريليك والبعض الآخر بالأحبار، وكلاهما يحمل طابعاً مختلفاً عن الآخر. بينما تميل الأعمال المرسومة بالأحبار إلى اختزال عناصر المشهد مع توظيف الحد الأدنى من درجات اللون، يمعن الطنبولي في ملء المساحات في أعماله الأخرى الملونة بالعديد من التفاصيل. تتشكل ملامح الأعمال هنا وفقاً لترسانة خيالية لا تنتهي من الأشكال، تشتبك كما قلنا، وعلى نحو واضح مع الخيالات البشرية والأساطير والحكايات الشعبية. خلافاً للمينوتور في لوحته السابقة، تزخر أعمال الطنبولي بالعديد من الكائنات الخيالية الأخرى، فهنا أحصنة مجنحة وأسماك مُحلقة ووحوش تروضها أجساد ملائكية، وطيور تنعم بالسكينة في عالم خيالي بديع، عالم مليء ببواعث البهجة والجمال والحُسن.

يتضمن كتيب المعرض كلمة للفنان المصري سمير فؤاد يتحدث فيها عن رؤيته إلى تجربة الطنبولي. يرى فؤاد أن أكثر ما يجذب المشاهد في هذه التجربة التصويرية هو إمعان الفنان في ملء فراغات لوحاته بالكامل، وإذا كانت هناك فراغات، فهي أشبه هنا كما يقول، بثقوب الدانتيلا، التي لولاها لما رأينا جمال التصميم الكلي. يشير فؤاد إلى الطريقة التي رتب بها الفنان عناصره على سطح العمل، فرغم كثرة هذه العناصر وتنوعها، فهي لا تسبب أي إزعاج للعين، إذ تستطيع عين المشاهد التحرك بين هذه التفاصيل الكثيرة في سهولة ويسر. ويشير إلى أسلوبه في التلوين الذي يعطي ثقلاً إضافياً كما يقول، إلى العناصر الرئيسية وبجعلها الأكثر قتامة بين العناصر الأخرى، حتى أنها تقترب من درجات الأسود في بعض أجزائها. وهو يفعل ذلك كما يقول فؤاد، في الوقت الذي يختار للعناصر الأخرى درجات ساطعة تصل إلى درجة الأبيض الناصع أحياناً، مما يضفي ضوءاً داخلياً على المشهد، فيرى فؤاد أن هذا الضوء الداخلي هو مفتاح هذا العالم السحري للفنان نزير الطنبولي.

تخرج الفنان نزير الطنبولي في كلية الفنون الجميلة في جامعة الإسكندرية عام 1994 . فاز الفنان بالجائزة الكبرى في مجال الرسم في صالون الشباب وهو ما يزال طالباً في الفنون الجميلة، وحصل على درجة الماجستير من كلية كامبرويل للفنون في لندن. وأقام العديد من المعارض الفردية، وشارك في الكثير من المعارض الجماعية في عواصم عدة حول العالم.